التشريع الجنائي الإسلامي.. الجناية على ما دون النفس خطأ 

بينا في الموضوعات السابقة تعريف الخطأ وأنواعه بمناسبة الكلام على القتل الخطأ كما بينا أركان جريمة القتل الخطأ، وما قيل هناك ينطبق بحذافيره هنا، ولا فرق إلا أن الفعل إذا أدى للوفاة فهو جناية على النفس أي قتل خطأ، وإذا لم يؤد للوفاة فهو جناية على ما دون النفس.

ويجب أن نلاحظ أن الشريعة جعلت العقوبة للجناية على ما دون النفس في حالة الخطأ متمشية مع نتيجة الفعل كما هو الحال في العمد، فعقوبة من أتلف عضواً أو أذهب منفعته أشد من عقوبة الجرح الذى شفى دون أن يتخلف عنه عاهة، وعقوبة من أذهب بصر إنسان أشد من عقوبة من أذهب نصف بصره وهكذا، والشريعة تتفوق على القانونين المصري والفرنسي في هذا لأنهما يسويان في العقوبة مهما اختلفت نتائج الفعل، وبعض شراح القانونين ينتقدون على المشرع أنه سوى بين عقوبة الإصابات المختلفة مع اختلاف نتائجها دون مبرر لهذه التسوية.

إن عقوبة الجناية على ما دون النفس تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عقوبة الجناية على ما دون النفس عمداً، وعقوبة الجناية على ما دون النفس شبه عمد، وعقوبة الجناية على ما دون النفس خطأ، العقوبة الأصلية للجناية على ما دون النفس عمداً هي القصاص، وعند مالك، الدية مع القصاص، فإذا امتنع القصاص لسبب من الأسباب حلت محله عقوبتان بدليتان الأولى الدية، والثانية التعزير، ويلاحظ الفرق بين عقوبات الجناية عمداً على النفس والجناية عمداً على ما دون النفس، ففي النفس يعاقب بالكفارة عقوبة أصلية وبالصيام عقوبة بدلية وبالحرمان من الميراث والوصية عقوبة تبعية، أما هنا فلا يعاقب بهذه العقوبات لأنها قاصرة على القتل ومتعلقة به.

أولاً، القصاص: هو العقوبة الأصلية للجناية على ما دون النفس عمداً، أما الدية والتعزير فهما عقوبتان بدليتان تحلان محل القصاص، ويترتب على اعتبار القصاص أصلاً والدية والتعزير بدلاً أنه لا يجوز الجمع بين العقوبة الأصلية وبين عقوبة أخرى بدلاً منها لأن الجمع بين البدل والمستبدل ينافيان طبيعة الاستبدال، ويترتب على ذلك أيضاً أنه لا يجوز الحكم بالعقوبة البدلية إلا إذا امتنع الحكم بالعقوبة الأصلية، وهناك نظريتان للجمع بين القصاص والدية، الأولى: يرى أصحابها أن القصاص يجمع مع الدية إذا لم يكن القصاص ممكناً إلا في بعض الجرح فيقتص مما يمكن القصاص فيه، وما لا يمكن القصاص فيه تحل العقوبة البدلية فيه محل القصاص، وعلى هذا تجمع الدية مع القصاص عقوبة لجرح واحد، وهذه النظرية يقول بها الشافعي وبعض فقهاء مذهب أحمد، أما النظرية الثانية، فتقوم على أنه لا يمكن الجمع بين العقوبة الأصلية والعقوبة البدلية في جرح واحد، فإن اقتص في بعض الجرح سقط حقه في الباقي ولا شيء له وهو بالخيار إن شاء اقتص ولا شيء له وإن شاء أخذ الدية، وهذه نظرية مالك وأبي حنيفة وبعض فقهاء مذهب أحمد، ويمتنع الحكم بالعقوبة الأصلية إذا امتنع القصاص أو سقط لسبب من الأسباب التي بعضها عام وبعضها خاص بما دون النفس.

أسباب امتناع القصاص العامة

أولاً، إذا كان القتيل جزءاً من القاتل: إذا كان القتيل جزءاً من القاتل امتنع الحكم بالقصاص، ويكون القتيل جزءاً من القاتل، كالأب وولده، ويرى مالك القصاص من الأب في القتل إذا لم يكن شك في قصد القتل، ولكنه لا يرى القصاص من الأب في غير القتل ويرى تغليظ الدية عليه، والتغليظ عند مالك هو تثليث الدية، وعلى هذا فليس ثمة خلاف بين الأئمة الأربعة في امتناع القصاص من الوالد لولده إذا جنى عليه فيما دون النفس.

ثانياً، انعدام التكافؤ: إذا انعدم التكافؤ بين المجني عليه والجاني فلا قصاص وينظر إلى التكافؤ من ناحية المجني عليه وحده لا من ناحية الجاني. وفي مذهب مالك هذا شرط التكافؤ في النفس أما فيما دون النفس فهو يشترط التكافؤ من الوجهين، فعنده لو قطع كافر أو عبد يد مسلم لم يكن له أن يقتص منهما ولو قطعهما فليس لهما أن يقتصا منه، فإن كان المجني عليه مكافئاً للجاني أو خيراً منه وجب القصاص وإن كان لا يكافئه امتنع القصاص، ولا يشترط في الجاني أن يكافئ المجني عليه لأن شرط التكافؤ وضع لمنع قتل الأعلى بالأدنى ولم يوضع لمنع قتل الأدنى بالأعلى، وأساس التكافؤ عند مالك والشافعي وأحمد: الحرية والإسلام، وأساس التكافؤ عند أبى حنيفة: الحرية والجنس، إذ يرى مالك والشافعي وأحمد في الحرية، أن الحر لا يقتص منه إذا جرح العبد لأن العبد منقوص بالرق وهذا هو نفس رأيهم في القتل، ويرى مالك أن لا يقتص من العبد للحر، ويرى أبو حنيفة  أن لا قصاص من الأحرار والعبيد فيما دون النفس ولا قصاص فيما بين العبيد أنفسهم، وهو يخرج بهذا عن رأيه الذي التزمه في القتل وهو القصاص من الحر للعبد ومن العبد للعبد، وعلة خروجه على هذا الرأي أنه يرى ما دون النفس خلق لوقاية النفس ولما كانت قيمة العبد تختلف عن دية الحر وقيمة العبد تختلف عن غيره من العبيد فلا يمكن أن تتماثل أطراف الأحرار مع العبيد ولا أطراف عبد مع عبد آخر ومن ثم امتنع القصاص بينهم، وهذا الرأي يتفق مع رأى أحمد.

وفيما يتعلق بالإسلام، يرى مالك والشافعي وأحمد أن الكافر لا يكافئ المسلم، والقاعدة عندهم أن لا قصاص من مسلم إذا قتل ذمياً، أما أبو حنيفة فيرى أن الكافر يكافئ المسلم ما دام معصوم الدم وليس في عصمته شبهة كالمستأمن مثلاً، ومن ثم فهو يوجب القصاص من كليهما للآخر، وهم يسيرون على هذه القاعدة فيما دون النفس إلا أن مالكاً خرج عليها ورأى ألا قصاص بين المسلم والكافر بصفة مطلقة فيما دون النفس، فإذا جرح أحدهما الآخر فلا قصاص لانعدام التكافؤ، ولو أنه يقرر أن المسلم خير من الكافر لأن القصاص فيما دون النفس يقتضي المساواة بين الطرفين ولا مساواة، أما في الجنس، القاعدة عند الأئمة الأربعة أن الأنثى يقتص منها للذكر والذكر يقتص منه للأنثى، وهذا في القتل أي فى النفس، وقد طبق مالك والشافعي وأحمد هذه القاعدة أيضاً فيما دون النفس وحجتهم أن من يجري بينهم القصاص في النفس يجري بينهم في الأطراف، أما أبو حنيفة فيخالف هذه القاعدة ولا يطبقها فيما دون النفس لأنه يسير على قاعدة أخرى فيما دون النفس هي اعتبار أن ما دون النفس كالأموال، وبتطبيق هذه القاعدة لا يجعل المرأة مماثلة للرجل لأن دية المرأة على النصف من دية الرجل ودية طرفها لا تماثل دية طرف الرجل، وإذا انعدمت المساواة بين ديتهما امتنع القصاص في طرفيهما سواء كان الجاني هو الذكر أو الأنثى.

بالتالي، من المنطق أنه يحرم الاعتداء على الأطراف كما أنه يتم تحريم الاعتداء على النفس الإنسانية، وكما أن التعدي على النفس الإنسانية تستوجب حد القصاص، فإن التعدي على ما دون النفس أيضاً يستوجب القصاص.

د. عبدالعزيز بن بدر القطان – كاتب ومفكر/ الكويت.

زر الذهاب إلى الأعلى