السجون ” مناجم ” !!

الناس معادن عبارة نادرا جدا من يلتفت إليها أو يعيرها اهتماما .. وقليل جدا من الناس يفهمها أو يستوعب معناها .. ويتعمق في مضمونها ..

فالحياة غالبا تفاجئك بنوع من البشر لا يمكن أن تصادفهم إلا في مكان غريب .. وفي ظروف غير طبيعية .

كنت أقرأ كتاب ( هروبي إلى الحرية ) .. هذا الكتاب الخالد الذي لا أمل من قراءته ..

طبعا قليل جدا من المثقفين .. وكثير جدا جدا من الجهال لا يعرفون هذا الكتاب .. ولا يعرفون من هو صاحب الكتاب الخالد هذا ..!!

يذكر الفيلسوف العملاق والمفكر الفذعلي عزت بيجوفيتش ” قصة صغيرة وفريدة جدا حدثت معه في السجن ..

يقول : في السجن لا يسكن المجرمون فقط ..
هناك الشرفاء .. وهناك الانقياء .. وهناك الأبطال ..”

يقول : .. كتبت عشرات الأوراق من كتابي ” الإسلام بين الشرق والغرب” .. وكنت أخشى على هذه الأوراق من المصادرة والحرق ..

وكان شريكي في الزنزانة رجل في الثلاثين من العمر . متهم .. بجربمة تزييف .. ويطلقون عليه ” المجرم ” ..!!

في الحقيقة الذين نطلق عليهم ” المجرمين” هو الشرفاء الحقيقين ..
الشرفاء المجهولين

في السجن فقط تكتشف هذه الحقيقة ..

يقول بيجوفيتش : ..

هذا الذي الذي يطلقون عليه ” المجرم ” كان اقرب الناس مني .. لم يكن مسلما .. ولم يكن مسيحيا كان لا دينيا .. كان لا يؤمن بأي إله ..

لكنه كان يؤمن ب” الشرف والرجولة ” .. واللتين لا يؤمن بهما سوى قلة قليلة من البشر .

كان صارما في قول الحق .. شجاعا لدرجة التضحية بنفسه في سبيل ما يؤمن به ويحبه .

يقول علي عزت بيجوفيتش ..:

حين أطلقوا سراحه طلبت منه أن يخرج أوراقي معه .. ويسلمها لأولادي ..

فقال لي : ” اعتمد علي ..”

كلمة سهلة خفيفة نسمعها ملايين المرات من أصدقاءنا و أقاربنا ورفقتنا .. ونادرا ما تؤتي أكلها أو نجني ثمارها !!

طبعا .. في حالة عثروا على هذه الأوراق معه .. ربما سيشنقوه .. أو يحكموا عليه بسجن مدى الحياة .. وكان هذا الذي يطلقون عليه ” المجرم ” يعرف هذه المخاطرة .. ويدرك نتائجها ..

لكنه فاجأني بإصراره على أخذ الأوراق مني وتسليمها إلى أولادي مهما كلفه الثمن ..

لماذا يفعل ذلك ..!!!

إنها الرجولة و الشجاعة التي يزرعها الله في صدور من نعتقد نحن بأنهم حثالة البشر ..

ولكن .. الحياة تلقننا دروسا صادمة .. وتكشف لنا بأن كثيرين ممن نعتقد بأنهم حثالة .. هم في الحقيقة ” جواهر ودرر

المجرمون الذين نطلق عليهم مجرمين هم في الحقيقة يقومون بأعمال وفضائل يعجز تماما أن يقوم بها أولئك الذين نطلق عليهم ” الشرفاء ” .. ونسميهم ب” الطيبين ” ..

في السجن فقط .. تعرف بأن كثير من المصطلحات السلوكية التي نطلقها على بعضنا البعض هي في الحقيقة مجرد أكاذيب وسخافات لا قيمة لها .

هناك خيط رفيع جدا .. بين الفضيلة واللافضيلة لا يمكن أن تراه إلا في السجون .

….
استطاع صديقي” المجرم ” تهريب الأوراق بطريقة لا تخطر على بال ..

فسلمها لأولادي .. ورفض أن يستلم منهم مبلغا مقابل هذه المخاطرة التي ربما كانت ستنهي حياته ..

رفض أن يأخذ منهم دولار واحدا رغم فقره وحاجته وعوزه ..

سلمهم الأوراق السرية التي بحوزته .. واختفى ..!

في السجن فقط .. تسمح لك الحياة بأن تكتشف هذه الكنوز البشرية ..

وصدق المصريين حين قالوا ( يا ما في السجن من مظاليم ) ..!

عبدالله الفارسي

زر الذهاب إلى الأعلى