كتاب عن شعرية القص في تجربة جعفر العقيلي (النشرة الثقافية)

عمّان في 15 نوفمبر /العمانية/ تقدم الناقدة الفلسطينية ميادة أنور الصعيدي في كتابها “شعرية القص في تجربة جعفر العقيلي القصصية” قراءات متعمقة في مجموعات القاصّ جعفر العقيلي: “ضيوف ثقال الظل” (2002)، و”ربيع في عمّان” (2011)، و”تصفية حساب” (2014)، و”كمستير” (2015)، و”مسافة كافية (2018)”.

وتعمل الصعيدي على فكّ شيفرات القصص في هذه المجموعات من خلال اكتشاف شعريتها، والتعمّق في استقصاء مدلولاتها العميقة، مستخدمة المنهج الوصفيّ التّحليليّ للوصول إلى نتائج من بينها أنّ قصص العقيلي تثير أبعادًا جماليّة، ممّا أهلها لأن تحظى باهتمام الباحثين.

وجاء الكتاب الصادر عن “الآن ناشرون وموزعون”، في ثلاثة مباحث، يضم كلّ منها عددًا من الأقسام، ففي المبحث الأول ناقشت الناقدة مفهوم الشعرية ودواعي اختيارها لدراسة مجموعات العقيلي، والشّخصيّة في قصص العقيلي، والعلاقة بين القاص والشخصيات فيها، مشيرة إلى أن الكاتب آثر الأسماء والصّفات على الأفعال في عناوين قصصه؛ ممّا يشير إلى أنه “يرغبُ في إضفاء صفة الثّبات على أبطال قصصه، من خلال تمسّكه بالمبادئ والأفكار التي نشأ عليها، بالإضافة إلى تجميده أيّ فكرةٍ طارئةٍ تخالف تلك المبادئ”.

وبحسب الناقدة، بدا بطل كلّ قصّةٍ كأنّه لاعبٌ يحرّك دمى العرائس كيف شاء، كما أن قلّة تواتر الأفعال بالنسبة لورود الأسماء في قصص العقيلي تشير إلى “عدم تقبّل بطل أيّ قصّة لأفكار العصر المشوَّشة، ورغبته الملحّة في العزلة”.

وترى الصعيدي أن “تيار الوعي” يغلبُ على قصص العقيلي؛ لذا يحدث تطابقٌ بين القاصّ وأبطال قصصه، وكثيرًا ما يلتبس الأمر على القارئ، خصوصًا عندما يلجأ القاصّ إلى استخدام ضمير المتكلم، كأنّه يعيش التّجربة وتدور الأحداث حوله.

وتقول الناقدة إن راوي الأحداث في عدد من القصص يمكن عدّه المؤلّف نفسه، ذلك لأنّه “الصّوت الوحيد الذي انصهرت فيه أصوات الشّخصيّات القصصيّة التي لم نتعرّف إلى منطوقها إلّا من خلال هذا الصّوت”. وتضيف أن قصص العقيلي تكشف عن السمات الرئيسة لبطله، فهو “لا يؤمن بتعدد الوجوه، ويمقت الفوضى”، كما أنه “كثير الشكّ، متقلّب المزاج، يمتلك رغبات متأرجحة، شديد التّأمّل”.

وفي المبحث الثاني، ناقشت الصعيدي ماهيّة البناء الزّمنيّ وشاعريّته في قصص العقيلي، والتصوير الفني للأحداث، وكسر أفق التوقع وشعرية الرمز في قصص العقيلي. ورأت أنّ للزّمن في قصّ العقيلي خصوصيَّةً تضع خطوطًا عريضةً من أجل وعي القارئ لأبعاد العلاقات الحياتيّة، التي تجمع الذّات بالآخر، وربط ذلك بالمغزى البعيد للأحداث المعاصرة. من هنا “أسهم البعد الزّمانيّ في إغناء الفن القصصيّ، وجَعَلَه من أكثر الفنون قربًا للذّات، لفهم الكيفيّة التي يمكن من خلالها اجتياز العقبات، ومواجهة الحرب الدّاخليّة (النّفسيّة) وحرب المكان (سطوة الآخر)”.

وأكدت الصعيدي أن زمن القصّ عند العقيلي يبدو مخاتلًا، “يتميّز بالمفارقة التّي تقلب الموازين، وتنقل الواقع المعاش بطريقةٍ متمايزة تهدف إلى تجاوز الآلام، وبثّ النّور وسط الظّلام”. ووضحت أن توظيف الزّمن أدى إلى تفعيل البنية الدّراميّة، ثمّ تكثيف شعريّة القصّ، من خلال اعتماد تقنيّات عدّة في إيهام المتلقّي مثل: القفز بالأحداث، والحذف، والوقف والتّلخيص.

ورأت الناقدة أن التّصوير الفنيّ للأحداث في قصص العقيلي يشير إلى إطلالةٍ أشبه بـ “الظّلِّ الفكريّ” للقاصّ، وإلى نوعٍ من التّناقض الشّعوريّ لبطل قصصه، ويتجلّى ذلك في رسم الكاتب شخصيّات متناقضة مع الأحداث التي تتفاعل معها، إذ تبدي أفعالًا خلاف ما يتوقّعه القارئ منها، ما يوحي بـ “وعي الكاتب لأحداث الحياة عامّة، وتملّكه أدواته السّرديّة التّي أسهمت في إخراج تجربة قصصيّة جماليّة بُنيت على المفارقة، وتحدّي المخزون الفكريّ للمتلقّي”.

وأشارت الصعيدي إلى التّنوّع في وصف الحدث الذي يشير إلى قدرة القاصّ على التّعبير عن الحدث الواحد بطرقٍ عديدة، ونتج عن ذلك مفاجأة المتلقّي وخرق السّنن المألوفة لديه في الحياة حينًا، وأثناء قراءة القصص حينًا، فـ “كلّما كان أثر العمل مخيّبًا لأفق توقّعات المتلقّي كان التّأثير أقوى”.

وأكدت الصعيدي أن العقيلي سعى إلى إدماج أفق معايير المتلقّي (الثقافيّة، والاجتماعيّة، والدينيّة، والسياسيّة، والتاريخيّة) بأفق نصّه القصصيّ، بغية إمتاع المتلقّي في تحقيق بعض التّوقعات له في سياق الأحداث، والالتحام -بشكل عفويّ- بفائض التجربة التي يحملها النّصّ القصصيّ.

وفي حديثها عن شعريّة الرّمز، وضحت الناقدة أن العقيلي وظف المرآة في قصصه، وأوجد لها رموزًا حمّلتها دلالاتٍ متنوّعة، فقد عكس من خلالها صورة “الأنا” والمنشق عنها “الأنا الأخرى”، فأضحى المنشق رقيبًا على الأصل، مشيرة إلى أن التصوير لا يتوقّف في القصص على التّرميز، بل قد تتوالى استعاراتٌ تكثّف من إيحاءات السّرد، وتترك استفاضة التأويل للمتلقّي. ومن هنا كانت وظيفة الصّورة هي التّكثيف؛ والشّعريّة “لغة تكثيفيّة تقدّم صورًا وارفةً بالمفاجآت، فتسبغ على المتلقّي ظلالًا مدهشة، تثير حواسه وتنبه ذاته للاكتشاف”.

ووفقًا للناقدة، وظف العقيلي في قصصه الرّمز، والانزياح، والغموض، تاركًا تأثيرًا جماليًّا في القارئ، بالإضافة إلى توظيفه أشكالًا من البيان من مثل الاستعارة، والتّشبيه، والكناية، والتّقديم والتّأخير، والحذف، والتّكرار، وغيرها من الأشكال التي أضفت على سرده سمة الشّعريّة.

وفي المبحث الثالث تناول الكتاب شعرية اللغة في قصص العقيلي، وتوظيف الثنائيات الضدية، وعوامل التشويق، وشعرية الحوار الدرامي. ورأت الناقدة أن العقيلي اعتمد في قصصه على الفصحى والتّعبير المثيرِ في رسم اللّوحات الاجتماعيّة، وأنه “قد يورد العاميّة في مواطن لا مجال لاستخدام الفصحى فيها”.

وجاءت قصص العقيلي كما تؤكد الصعيدي، لوحاتٍ ذات قدرةٍ تصويريّةٍ متلاحمة المضامين قويّة الدّلالة، معبّرةً عن اللّحظة المعاصرة وتناقضاتها، فـ “هو حينما يتطلّع دائمًا إلى العزلة، فإنّه بذلك يحب حياة البساطة والقرية وحيويّة العلاقات الاجتماعية وعفويّتها، ويبغض ذلك التّباعد الاجتماعيّ بين النّاس في الوقت المعاصر وانحسار العلاقات الاجتماعيّة إلى المصالح والمجاملات والانتهازيّة”. مؤكدة أنّ القاص استطاع الخروج من دلالة التّركيب من الحرفيّة إلى دلالاتٍ أوسع وأعمق، حتّى غدت اللّفظة الواحدة حزمةً من المعاني، وهذا ما أكسب نصوصه شاعريّةً خاصّةً؛ تترك تأثيرًا جماليًّا في نفوس متلقّيه، وتدعوهم للمشاركة في فهم ما وراء المعنى.

وحول توظيف الثنائيّات الضّدّيّة، وضحت الناقدة أنها عكست وعيَ القاصّ بتقلبات العصر، وموقفه من الحياة والكون، وقدرته على التّأثيرِ والإقناعِ، لاستدعائِه جودة القريحة والحذق في قدرته على أن يؤلّف بين الألفاظ أو التَّراكيب المتنافرة والمتباينة في سياقٍ واحد، ويعقد بينها معاقد نسب، بالإضافة إلى قدرته على تكثيف عنصر المفاجأة من خلال خلخلة بنية التَّوقعات المتشكّلة عبر مدار محدد في ذهن المتلقّي.

وأشارت إلى أن أهم عوامل التّشويق في قصص العقيلي طريقة استهلال القصص؛ التي “تؤدّي إلى إغواء القارئ لمتابعة القصّة حتّى النّهاية؛ بحثًا عن الحقيقة”، ووضحت أن القاص كثيرًا ما يستهلّ قصصه بأسلوبٍ غامضٍ يجذب الانتباه، وهو “غموضٌ لذيذٌ وليس إبهامًا مجحفًا”، لأنّ القاصّ سرعان ما يكشفُ عن خبايا الأمور في ثنايا القصّة، أو يُرشدُ القارئ إلى حيثُ مربط الحدث؛ ليتلذّذ باكتشاف الحقيقة بنفسه.

أما شعريّة الحوار الدّراميّ في القصص، فأكدت الصعيدي بشأنها أن القاص لجأ إلى تغذيَةِ نصّه السّرديّ بمجموعة من التقنِيَّات الدّراميَّة، لتتبلورَ في بنيةٍ شعريَّةٍ قصَصِيَّةٍ، عمادُها الحوار الدّراميّ الذي يرمز لأفكارِ البطل وعواطفِه غالبًا.

وأضافت أن الحوار الدّراميّ اعتمد على المناجاةِ الدَّاخليَّةِ (المونولوج) بالدَّرجة الأولى، ليكشف عن مزاج الشّخصيّة النَّفسيّ، وطبيعة تفكيرها.

/العمانية/ 174

زر الذهاب إلى الأعلى