هكذا يُفكر المستثمر

يتردد كثيرًا في الأوساط الرسمية وغير الرسمية مصطلح “جذب الاستثمارات”، وأصبح من الواضح أنَّ الدول تتسابق لجذب المستثمرين وتغريهم بكافة الطرق المُمكنة، لكن ما زال هناك جدل أزلي بين الحكومة والمستثمر، وهو أنَّ الحكومة لم تقم بما يكفي لدعم المستثمر المحلي والخارجي، في المقابل تقول الحكومة إنَّ المستثمر سوف يظل يطلب المزيد، ولن يرضى بالرضا مهما حصل من تسهيلات ومنح، هكذا هي العلاقة فيما بين الطرفين، وكل منهما يرى أن الطرف الثاني مقصرٌ.

هنا في هذه المقالة محاولة لفهم كيف يُفكر المستثمر المحلي والخارجي؟ وما الرسائل التي يحاول أن يوجهها هذا المستثمر للمسؤول الحكومي مهما اختلفت درجته الوظيفية؟ وما أولوياته في اختياره للسلطنة في ممارسة نشاطه التجاري؟ وكيف لهما أن يلتقيا في أرضية توافقية أو شبه توافقية مشتركة؟

بالمختصر.. عقلية المُستثمر منتجة وعملية ومكتشفة ومرنة ومنفتحة، وأهم أولوياته- إضافة إلى الأمان والاستقرار النفسي- ما يلي:

الربحية: لن يُقرر المستثمر أن يضع ماله وجهده وفكره إلا بعدما يتأكد أنَّ هناك ربحًا شهريًا أو سنويًا سوف يعود إليه في حسابه البنكي، يمكنه أن يصبر لعام أو عامين أو أكثر بقليل، لكنه لن يستمر كثيرًا إذا لم يرَ ربحًا ماليًا يلوح في الأفق.

الكلفة المالية المعقولة: المستثمر الجاد بنوعيه المحلي والأجنبي لا يستثمر في وجهة استثمارية معينة  إلا بعد مقارنة دقيقة وعميقة للكلف المالية للتصاريح والمصاريف التشغيلية للدول المستهدفة التي في باله، فالمعلومات الآن أصبحت متوفرة ويسهل الوصول إليها، وكل الدول أصبحت تتنافس عليه، فالمعادلة تغيرت، ولم تعد كالسابق، فحاجة الدول إليه أصبحت أعظم من حاجته إليها.

النظام القضائي: من حيث عدالة النظام لتعزيز الثقة وأن القضاء سوف يكون عادلاً في حال تعرض لظلم أو خلاف بين مؤسسته وبين جميع  الأطراف التي يتعامل معها؛ بدءًا من الحكومة نفسها والمورد، إلى أصغر زبون يتعامل معه، ومن حيث سرعة التقاضي في القضايا الخلافية، فكل دقيقة من عمر المستثمر تعني الكثير، ولا وقت كافٍ لديه لكي يضيعه بين أروقة المحاكم، فأولوياته تكمن في مضاعفة الإنتاج وكسب المزيد من الأرباح، ومن حيث وضوح وثبات القوانين والتشريعات التي تنظم العلاقة بينه وبين الغير.

حجم السوق: هدف المستثمر في بدايته أن يربح، لكن هذا الهدف يكبر مع الأيام، ويكون هدفه التوسعة والاستدامة، وكسب المزيد من الأرباح المالية، ولن يكون ذلك إلا مع خلال توسعة حجم السوق وانفتاحه، وهنا ستظل مطالب المستثمر للحكومة بأن يتم تسهيل إجراءات دخول الناس إلى السلطنة ومُضاعفة أعداد الزائرين لها، والمطالبة بمزيد من الإنفاق الحكومي في المشاريع الخدمية الكبرى، بهدف تحريك السوق وتنشيطه، ورفع معدلات الإنفاق المؤسسي والفردي.

رقمنة المعاملات: يتمنى المستثمر أن ينهي جميع معاملاته مع الجهات الحكومية  إلكترونيًا بشفافية مطلقة وحوكمة عادلة دون أن  يلتقي بأي عنصر بشري محاولاً أن يبتعد عن جميع المنغصات التي قد تصدر من بعض أصحاب الصدور الضيقة أو القلوب المريضة أو العقول الصغيرة أو الضمائر الميتة.

العلاقة التبادلية: يعي المستثمر الجاد أن عليه واجبات والتزامات كدفع رسوم الخدمات الحكومية، ونسب تعمين  الوظائف، ودفع الضرائب، والالتزام بقوانين البلاد، لكنه يتوقع أن تدعمه الدولة في الظروف الاستثنائية، ومراعاة ظروفه الصعبة لبعض الوقت إلى أن يقوم على رجليه من جديد، يتمنى أن تكون العلاقة تشاركية حاضنة وليست سلطوية منفرة.

إقناع المستثمر المحلي بالبقاء هنا، وجذب الاستثمارات الإضافية من الخارج ليس سهلاً أو يحدث محض الصدفة؛ بل يتطلب جهدًا ذكيًا متواصلًا، ولا يكمن في عنصر واحد، إنما هو خليط من العناصر المعقدة، وأصبح لزامًا على الحكومة بشكل عام- والمسؤول الحكومي على وجه الخصوص- أن يستوعب أن عقلية المستثمر ليست تقليدية أو منغلقة، وإنما عقلية متطورة وعملية؛ لذلك فإنها تتطلب أدوات وتكتيات حكومية منوعة ومُقنعة تتسم بالذكاء الحاد.

خلفان الطوقي

زر الذهاب إلى الأعلى