الضرائب ليست الحل 

المُؤشرات والتوقعات تقول إنَّ السلطنة مُتجهةٌ لفرض ضريبة جديدة وهي ضريبة القيمة المُضافة، بعدما تمَّ إقرار الضريبة الانتقائية على بعض السلع، وبعد أيام قليلة سيتم تطبيق الضريبة على المُنتجات المُحلاة، وقبل هذه الضرائب وفي فترة تذبذب أسعار النفط وخاصة في الفترة من 2016 إلى 2018، تمَّ رفع أسعار كافة الخدمات الحكومية بنسب مُتفاوتة، وبعضها بنسب مرتفعة، مع رفع الدعم جزئيًا عن خدمات الماء والكهرباء والمُشتقات النفطية، وللعلم تم الإعلان عن نية تطبيق السلطنة لضريبة القيمة المضافة من أحد الوزراء في بداية عام 2020 من هذا العام، على أن يبدأ تطبيقها في عام 2021.

فهل ضريبة القيمة المضافة هي الحل الأمثل والأوحد للتخلص من معضلة الدين العام والعجوزات المالية سنة بعد سنة وخاصة بعد 2016؟

هذا الحل ليس الأوحد أو الأفضل لكنه يبقى الأسهل والأسرع، لأنه وبجرة قلم واحدة أو قرار واحد يعني تطبيقه، لكن هناك حلول تبدو في شكلها صعبة ولكنها مستدامة وأثرها متوسط وطويل المدى، ويحتاج إلى جهد مضاعف وعقليات مستنيرة وعمل حثيث، ويحتاج إلى حوكمة شاملة وفكر مُبتكر وتنسيق وإقناع ومواجهة وأخذ ورد بين عدد من رؤساء الوحدات وتنازلات وتقييم أداء كل وحدة حكومية، وتقييم كل موظف حكومي في جميع الوحدات الحكومية، وأهم هذه الحلول وباختصار شديد ما يلي:

“الحلول الإدارية” ويكون ذلك من خلال تحسين وتطوير الإجراءات والتشريعات والقوانين الاقتصادية التي تجعل السلطنة وجهة تنافسية بمعنى الكلمة وأكثر جذباً للمستثمر المحلي والخارجي من خلال رفع معدلات الأرقام والإحصائيات سنة بعد سنة، وتنظيم العلاقة بين رئيس الوحدة ومرؤسيه بناءً على مؤشرات أداء واضحة تقيِّم دوريا كل موظف دون استثناء مهما كانت درجته الوظيفية بعيدا عن العواطف والمجاملات والأعراف التي تدعو لعدم المبالاة والكسل وإهمال المراجعين، وضرورة تغيير مفهوم أنَّ الوظيفة الحكومية ضمان اجتماعي دون إنتاج مقيم ومحسوس، بل استبدال الفكر بأنَّ الأداء الوظيفي يمكن تطويره وزيادة أعداد المستفيدين منه وجودته شهرا بعد شهر.

“الحلول التكنولوجية” وهي مرتبطة بشكل أو آخر بالحلول الإدارية، ويكون ذلك من خلال جعل معظم الخدمات الحكومية إلكترونياً بدون تدخل بشري، إلا ما ندر وفي نطاق ضيق، ويمكن الاستدلال بأنَّ هذه الممارسات مؤثرة إيجابا ويُمكن تنفيذها وليست مستحيلة، فمحلياً شرطة عُمان السلطانية خير مثال على النقلة النوعية في آخر 8 أعوام في انتقال كثير من خدماتها إلكترونياً وما زالت تتقدم بخطى سريعة وملحوظة، أما إقليميا وعالميا فتوجد كثير من الأمثلة التي انتقلت دولها إلى مراحل متقدمة جدا في استخدام الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وتطبيقات الجيل الخامس بدءًا من أي خدمة حكومية مُقدمة كتسجيل الشركة ومتابعته حتى عمليات التقاضي التجاري والتوثيق مع كتاب العدل وغيرها من الخدمات الحكومية، علماً بأنَّ مناقشة الحكومة الرقمية بدأت منذ 2003، وتبعها في عام 2006 إنشاء هيئة تقنية المعلومات، وإقرار الاستراتيجية الرقمية للحكومة التي من المزمع الانتهاء منها في عام 2014، ويمكن لوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات بهيكلها الجديد أن تقيم الوضع، لتتعرف على ما تم إنجازه من الاستراتيجية حتى اللحظة، وما لم يتم إنجازه، ولماذا؟

“الحلول المالية” وتم جزء من ذلك خلال الشهور الماضية من خلال إيقاف أوجه كثيرة من الهدر المالي في مؤسسات الدولة بطرق منوعة، وعدد من القرارات والتعاميم الإدارية كان آخرها الإلزام بسرعة إيداع أي رسوم حكومية إلى حساب وزارة المالية، لكن ذلك لن يكون فعالاً بما فيه الكفاية إلا إذا تم استصدار قرار دفع المبالغ المستحقة المتأخرة إلى شركات القطاع الخاص خاصة الأعوام الخمسة الماضية، ولو تم ذلك على مراحل، وبأدوات مختلفة وبحلول توافقية مشتركة بين وزارة المالية والبنك المركزي العماني والمتعاقدين مع الوحدات الحكومية المختلفة.

“الحلول الاستثمارية” ويكون باعتماد واستهداف مضاعفة الأرقام الحالية للاستثمار المحلي والاستثمارات الخارجية المباشرة وغير المباشرة، واعتماد الخطط التنفيذية الكفيلة بذلك، وتعيين فريق العمل لكل نوعية من الاستثمار المحلي بكافة قطاعاته والأجنبي المباشر والأجنبي غير المباشر، وتذليل كل الصعاب المحيطة، والعمل المشترك فيما بين وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار وجهاز الاستثمار العماني ووزارة الاقتصاد ووزارة العمل والهيئة العامة لسوق المال والبنك المركزي العُماني وشرطة عمان السلطانية والهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة ووزارة العدل والشؤون القانونية وغرفة تجارة وصناعة عمان وأي جهة حكومية أخرى لها علاقة بالأعمال التجارية وتتعامل مع المستثمر المحلي والخارجي، فملف الاستثمار متشعب جداً وله جوانب مالية وبشرية وتشريعية وتكنولوجية وأمنية، ولا يمكن لجهة واحدة أن تتحمل مسؤولياته، ولا يمكن أن تتمكن وحدة حكومية وحيدة من جذب المستثمر وزيادة معدلاته بشكل ملحوظ إلا إذا عملت جميع هذه الجهات بعقلية اقتصادية موحدة.

“الحلول الابتكارية” ويكون ذلك من خلال مُراجعة ما هو موجود من موارد طبيعية، وزيادة القيم الإضافية منه، ومُضاعفة الاستفادة من التصنيع المحلي من المواد الخام كالنفط والغاز والمعادن والموارد السمكية وغيرها، والاستفادة من أي تجارب أو قصص نجاح سابقة، والاستفادة من أي تجارب ناجحة، وتطبيق نظام المزايدة على الأراضي الصناعية والزراعية والتجارية والسياحية ومنحها للجادين المقتدرين وتفادي السماسرة، وطرح غيرها من أفكار تأخر تطبيقها لسبب أو لآخر وإعادة مُناقشتها بشكل عاجل من جديد في طاولة مجلس الوزراء، ويمكن الاستفادة من أفضل الممارسات الدولية التي استفادت من الحلول الابتكارية التي ضمنت دخلاً إضافيًا لخزينة الدولة وتنشيط القطاع الخاص ورفع مستوى دخل الفرد.

عليه.. يتضح أن قرار الضريبة يبقى حلا سهلا وسريعاً ولا يتطلب الجهد الكثير، وعلى الحكومة في ذات الوقت أن تحسب نتائج الضرائب بشكل مدروس، من حيث إضعاف القدرة الشرائية للمواطن والمقيم وتأثر مستواهما المعيشي، ومدى جاذبية بقاء المستثمر المحلي المقتدر، وجذب الاستثمارات الخارجية وزيادة معدلاتها، ورفع الإيرادات السياحية وتعزيز تنافسية السلطنة سياحيًا مع الوجهات السياحية الأخرى، ومدى تأثير ذلك على تفاقم أو انحسار قضية التوظيف، وغيرها من التأثيرات، لذلك فمن الأفضل للحكومة أن تضع العوائد “الإيجابية” والتأثيرات “السلبية” في ميزان، وتقيسهما بميزان عادل ومدروس ومن زاوية الاقتصاد الكلي، وتتفادى أي فواتير مكلفة أخرى على السلطنة وكل من يسعى للاستثمار فيها من مواطنين أو أجانب، ومضاعفة العمل على مسارات أخرى من خلال حلول إدارية ومالية وتكنولوجية واستثمارية وابتكارية، فالاقتصادات القوية لا تقوم على الضرائب فقط!

خلفان الطوقي

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى