أجراس: عن فقيروف مسكينوفيتش

وما الفقْرُ إلاّ للمذلّةِ صاحبٌ

وما النّاسُ إلا للغَنيِّ صديقُ

وتَقْبُحُ منهم أوْجهٌ في عُقولِنا

وتَحسُنُ في أبصارِنا وتَروقُ

ابن نباتة السعدي

جاء إلى هذا العالم، مثل بقية الكائنات والبشر، محملا بالأحلام الوردية والآمال العريضة. يتذكر طفولته بألم وحسرة شديدين، لاسيما حينما يرى صورة امرأة هزيلة تحمل طفلها وتبحث في القمامة عن قطعة قماش تستره بها عن البرد، أو ربما تعثر على بقايا لقمة خلفها أبناء أحد الأثرياء وتخلّص منها لتلتقطها الحيوانات السائبة والأمهات البائسة التي لا تجد ما تضعه في فم وليدها الجائع. تقول القصص الصحفية أن مثل هذه الصور يفوز أصحابها بالجوائز العالمية المرموقة في مسابقات التصوير الضوئي.

إنه رجل متخم بالحسرة والألم. لم يعد مهتما بأخبار الطقس أو الحروب والسلام أو الانقلابات أو الأحقاد والضغائن، ولا الرياضة وأسواق البورصة أو الضرائب ونسبة الفائدة في البنوك، أو مسابقات الجمال وسباقات السيارات ومزادات التحف الثمينة. كل ما يعلمه أنه يواجه هدير هذه الرياح العاتية وعليه أن يعبرها إلى النهاية.

***

بحث طيلة حياته عن الطرق الصحيحة، ولكنه بقي في تيهه العظيم. مر بالكثير من العوائق والمزالق وما زال يصدق قدميه اللتين تقودانه على غير هدى. في داخله يعيش رجل صحراوي بائس يئن من فرط الظمأ، يلعن عصور الذرة وأزمنة التكنولوجيا وأوهام الإنسان الحديث وشعاراته ودساتيره الكاذبة.

يتأمل الدراسات التي سعت لإيجاد حلول لمشاكل الفقر ليجد أنها انتهت في أحدثها إلى أن قلة الفرص المتاحة أمام الفقراء تقودهم إلى اتخاذ القرارات الخاطئة والسيئة، ما يؤثر على إدراكهم ويجعلهم يدورون في الدائرة الضيقة ذاتها، ليظلوا فقراء معدمين إلى الأبد.

يفتح كتب المواعظ ليقرأ قصص المتصوفة وأشعار الزهاد في مديح التقشف والفقر، كي يسترد شيئا من إحساسه بإنسانيته في هذا العالم الذي تحكمه الآلة وتسيطر عليه المادة ولغة المال والأرقام. ربما تمنحه المواعظ بعض الخدر والإحساس بالنشوة، ولكنه سرعان ما يستفيق ويعود إلى رشده ليواجه حقائق الوجود التي تصم أذنيه حين يسمع مقولات مثل: (الفقر قميص من نار) و(نعجة الفقير لا تسمن) و(مصباح الفقر لا ضوء له) و(موت الفقير ستره) و(المال يستر رذيلة الأغنياء)، و(الفقر يغطي فضيلة الفقراء)، وغيرها من المقولات المحبطة التي تمتلئ بها ذاكرة الكتب والأدبيات، وهي وللأسف الأقرب إلى الصواب والحقيقة، في عالم يمتهن الزيف والخداع. إنها الحقيقة التي هتف بها علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) حينما قال (الفقرُ في الوَطنِ غُربة والغِنى في الغُربَةِ وَطن) وجسدها شعرا بقوله:

مَساكينُ أَهلِ الفَقرِ حَتّى قُبورِهِم

عَلَيها تُرابُ الذُلِّ بَينَ المَقابِرِ

كما جسد هذا المعنى أيضا أبو بكر الإشبيلي حينما قال:

الْفَقْرُ فِي أَوْطَانِنَا غَرْبَةٌ

وَالْمَالُ فِي الْغَرْبَةِ أَوَطَانُّ

***

يضرب بالمواعظ والدراسات والكتب عرض الحائط. يحمل آماله الكبيرة كل صباح ويمضي في فجاج الأرض يتتبع منابع الرزق الحلال. لديه أطفال لابد أن يعود إليهم بلقمة العيش مساء. لابد أن يكسوهم ويوفر لهم المأوى الكريم الذي يقيهم برد الشتاء وهجير الصيف.

إنه لا يعلم ماذا تريد منه هذه الحياة، ولكنه يسعى لكي يتكيف مع قساوتها ويتعلم الدروس للغد الذي ينتظره على ضفاف المجهول. عليه أن يتقن دروس البقاء، رغم أنه الطرف الأضعف دوما. إنه رابط الجأش، رغم إحباطه اليومي لا يستسلم أو يرفع راية الهوان، ولا يعترف باليأس أو الهزائم المتتالية التي يُمنى بها على الدوام، فهو مصر إما أن يبتر الفقر أو يبتر العمر عملا بقول المتنبي:

إِذا لَم تَجِد ما يَبتُرُ الفَقرَ قاعِدًا

فَقُم وَاِطلُبِ الشَيءَ الَّذي يَبتُرُ العُمرا

هُما خَلَّتانِ ثَروَةٌ أَو مَنِيَّةٌ

لَعَلَّكَ أَنّ تُبقي بِواحِدَةٍ ذِكرا

***

فقيروف مسكينوفيتش قد تراه في أي مكان. ربما واجهته في محطة الحافلات ومواقف سيارات الأجرة أو تحت مظلة مهجورة أو متمددا تحت ظل شجرة عتيقة أو يجلس منفردا على مقعد معزول في حديقة أطفال. وربما رأيته يشحذ أمام باب المسجد. وربما صادفته يتسول عند محطة الوقود، وربما قابلته يطلب لقمة عيش أمام أحد المطاعم الرخيصة. إنه ربما يسير الآن وحده مثل كائن فاقد للذاكرة والجهات، يهذي تحت مطر شتوي قارس أو شمس صيفية لاهبة، بشعره الكث المتطاير في الهواء وقميصه الرث ونعليه الممزقين. يجر معه أحلامه الضائعة ويقاوم إعياءه الشديد عبر الأرصفة والطرقات التي تآكلت عليها خطواته الحائرة.

يسعى بجهد مخلص وعظيم ليكسب قوت يومه. تطرده واجهات المحلات الفخمة بنوافذها الصقيلة اللامعة. يمسح العرق عن جبينه المتغضن الذي لوحته الشمس بسياطها اللاهبة، ويرمق القاعدين على طاولات المقاهي والمطاعم الوثيرة. يحدق في محلات الأزياء والملابس بماركاتها الشهيرة، وأنواع العطور الفخمة المغلفة بعناية فائقة لتليق بزبائنها من ذوي الجيوب المتخمة. تتابع عيناه الحزينتان أنواع السيارات الجميلة والنظيفة التي تعبر الشوارع، دون أن يلتفت أحد إلى رجل مهزوم ووحيد يمشط الأرصفة. يتذكر صبيًّا جائعا منهكاً في المنزل المتهالك، ويأخذ خطواته ويمضي إلى ركن بعيد يجر أنفاس الخيبة والحسرة. وربما تحسر مثل أبي تمام الذي لم يتحسر على أنه أوشك على الموت، وإنما تحسر على البقاء حيا ولم يمت:

ما حسرتي أنْ كدتُ أقضي إنما

حَسرَاتُ نَفْسي أنَّني لم أفْعلِ

***

فقيروف مسكينوفيتش رجل طيب، وهو مواطن صالح أكثر مما تقتضيه الضرورة. ليس لديه أية انتماءات حزبية مشبوهة أو علاقات خارجية مغرضة. لا ينتمي إلى أية مجموعات مخربة أو متطرفة أو إرهابية، ولا يمارس أي نوع من الرفض أو المعارضة للنظام. لا يهجو الحكومة ولا ينضم إلى الاحتجاجات أو مظاهرات الشوارع وأحداث الشغب الخارجة على القانون أو التجمعات المحظورة. هو راضٍ، قنوعٌ ومسالمٌ حد الوداعة. ينأى بنفسه عن قراءة الكتب والمنشورات المحرضة والمسيئة للوطن. يبذل قصارى جهده في طاعة أولياء الأمر، ابتداء من ساعي البريد وكاهن المعبد مرورا بالشرطي ومسؤول القرية وصولا إلى القاضي وعمدة المدينة.

وهو أيضا طيب جدا مع البسطاء والفقراء والمساكين والمعوزين أمثاله. يقاسمهم كسرة الخبز وقنينة الماء. ويشاطرهم الضحكات الصافية والحديث والذكريات والحكايات التي حفظها عن ظهر قلب طوال تجواله في المحطات والأرصفة والأسواق ومخافر الشرطة والسجون.

ورغم صلاح المدعو فقيروف مسكينوفيتش وطيبته وحسن خلقه الذي شهد به القاصي والداني، إلا أن ذلك لم يشفع له ليكون رجلا مرموقا كريما مقبولا لدى الناس. إنها السجية الغالبة والطبيعة البشرية المتوارثة، تعلي الغني وإن كان حقيرا تافها وتدني الفقير وإن كان طيبا نقيا نبيلا. وصدق الشاعر إذ قال:

يمشي الفقير وكل شيء ضده

والناس تغلق دونه أبوابها

وتراه مبغوضا وليس بمذنب

ويرى العداوة لا يرى أسبابها

حتى الكلاب إذا رأت ذا ثروة

خضعت لديه وحركت أذنابها

وإذا رأت يوما فقيرا عابرا

نبحت عليه وكشرت أنيابها

***

يبدو فقيروف مسكينوفيتش في غالب الأحيان متنصلا من كل شيء في هذا العالم، يعيش في حياد مطلق، وكأنه لا يرتبط بأية صلة مع أي شيء في الوجود. لا يكن لأحد ضغينة أو محبة، وليس لديه أي نوع من المشاعر تجاه الآخر. ليس معنيا بالأزمنة والتواريخ وتقلبات الليل والنهار وتحولات النور والظلمة، فلم يعد ذلك يغير من طبيعة الوجود وألوانه في عينيه. إنه يعلم يقينا بأنها مجرد رحلة قصيرة عابرة على تراب هذا الكوكب المضطرب مثل بحر هائج، والجميع على وشك السقوط من السفينة إلى قعر المحيط المجهول، عاجلا أم آجلا.

لقد لقنته الحياة أقسى وأبلغ دروسها، لذا فهو لم يعد ينتظر الكثير من سكان الأرض. بات يدرك أنه ربما لن يكترث الكثير بموته أو حتى مرور جنازته الخجولة. ربما لن تحظى جثة فقير بائس بمشيعين وجنازة بموكب ضخم ونادبات يشققن جيوبهن على فراقه أو شعراء يكتبون المراثي في سيرته ومناقبه. ولكن هذا لا يضيره البتة. فمذ بات يعي درس الحياة جيدا، هان عليه كل ما سيأتي بعدها، ولم يعد يرتبط إلا بعرى السماء الوثقى متمثلا قول علي بن أبي طالب (رضي الله عنه):

وَكَم لِلّهِ مِن لُطفٍ خَفيٍّ

يَدِقُّ خَفاهُ عَن فَهمِ الذَكيِّ

وَكَم يُسرٍ أَتى مِن بَعدِ عُسرٍ

فَفَرَّجَ كَربَة القَلب الشَجيِّ

وَكَم أَمرٍ تُساءُ بِهِ صَباحاً

وَتَأتيكَ المَسَرَّةُ بِالعَشيِّ

إِذا ضاقَت بِكَ الأَحوالُ يَوماً

فَثِق بِالواحِدِ الفَردِ العَلِيِّ

المصدر: جريدة عمان

زر الذهاب إلى الأعلى