إعجاز الفاصلة القرآنية

في كل  جزء نتحدث به عن القرآن تفسيراً أو بلاغةً وفصاحةً، باب لا ينضب، كلما تعمقنا به، كلما كان الذهول سيد الموقف، بركة وجمال، وخشوع، وحب، عبادة لا تشبه العبادة، بل عالم روحاني، كلما تعمقنا به، كلما ازددنا قرباً من الخالق عز وجل.

ومن مظاهر الإعجاز أيضاً التركيب اللغوي والنظم الأسلوبي البياني البلاغي الذي عجز العرب عن محاكاته، ومن هذا الإعجاز البياني ورود آيات متماثلات متشابهات لفظاً ومعنى لا فرق بينها إلا في زيادة حرف أو كلمة أو تقديم أو تأخير، فحملت الآيات معاني جديدة، ودلالات باهرة كانت ذروة في الفصاحة وغاية البلاغة، إن الإعجاز في النص القرآني حقيقة لا جدال فيها، يلمسها كل من نفكّر وتدبر القرآن الكريم، فالقرآن الكريم، بحر واسع لا تنقضي أسراره، ولا تنتهي عجائبه، صالحاً لكل زمانٍ ومكان، تفجّرت منه شتّى أنواع المعارف والعلوم، فكان معجزها ومنبعها، فالفقيه يستنبط منه الأحكام الشرعية، والنحوي يبني منه قواعد التراكيب والصيغ، والبياني يهتدي به إلى حُسن النظم، وطرائق الفصاحة والبلاغة، لصوغ الكلام، والمفسّر يشرح آياته، ويبين غريبه ومحكمه ومتشابهه، وهكذا كل باحث يجد فيه ضالته المنشودة.

يعد الخليل بن أحمد الفراهيدي، أول من استعمل مصطلح الفواصل في أواخر الآيات القرآنية، ثم تطور الأمر وأخذ حيّزاً كبيراً من اهتمام العلماء في كتب البلاغة والإعجاز والنقد، ويعد الأشعري أول من قال بنظام الفاصلة في القرآن ليفرق بينها وبين السجع والقافية، بالتالي إن مصطلح الفاصلة مرّ بمرحلتين، الأولى: مرحلة إطلاق التسمية، والثانية: مرحلة استقرارها على أواخر الآيات، وعليه يكون تعريف الفواصل: حروف متشاكلة في المقاطع توجب إفهام المعاني، ويعرفها الزركشي بأنها: كلمة آخر الآية كقافية الشعر، وقريبنة السجع، وتقع الفاصلة عند الاستراحة في الخطاب لتحسين الكلام بها، وهي الطريقة التي تباين بها القرآن عن سائر الكلام، فقد عدّت الفاصلة القرآنية عند العرب بأنها ظاهرة جديدة لم تكن معروفة لديهم، فهي آخر كلمة في الآية القرآنية تأتي تابعة للمعنى متممةً للنظم القرآني، فكان من فوائد معرفتها: أنها تُعين العبد على سرعة حفظ القرآن وتثبيته في الذاكرة، وتساعد القارئ على الاستراحة بين الفواصل، وتؤدي دور الإنسجام والتناغم في الإيقاع الصوتي للترتيل، ففي سورة طه على سبيل المثال، الفاصلة القرآنية من حيث المحور النفسي: قال تعالى (وأضل فرعون قومه وما هدى)، قال النحاة أنها جاءت مراعاة للفاصلة، ولكن كان من الممكن قول (وما هداهم) لكن فرعون أضلّ قومه لأنه غيّبهم في البحر إذن هو أضلهم وما هداهم، بالتالي، تقوم الفاصلة بإحكام المعنى وإبلغ معانٍ مقصودة بحسب المقام. 

أما بلاغياً، فقد قدمت الفاصلة معاني بلاغية كبيرة، من خلال المزج بلاغياً وإبلاغياً ين القوة والصرامة والهدوء والاسترسال، فنجد أن القرآن الكريم صوّر انفعالات النفس البشرية، فتبدأ الفاصلة من فاتحة السورة ثم تنتهي في خاتمتها، كما لم يقتصر دور الفاصلة على إكساب البيان جمالاً واتساقاً فحسب، بل كانت الفاصلة معجزة في معانيها، لأنها في القرآن الكريم طريق إلى إفهام المعاني، كما لها أثر مهم في تحديد المعاني، يصل إلى حد الفصل بين الآراء الفقهية، وبيان الراجح من المرجوح أثناء استنباط الأدلة الشرعية، بالتالي، الفاصلة القرآنية تجمع بين جوهر المعنى أولاً، ثم حُسن الشكل ثانياً، ولا تَعتد بألفاظ جميلة، أو تبحث عن مشاكلة فنية تَجور على المعنى لتحقيق زُخرف البديع، فكان محور موضوع الأمس، مؤسس علم البلاغة، عبد القاهر الجرجاني قد جاء على مبحث الفواصل في كتابه إعجاز القرآن، حيث نفى إعجاز الفواصل في القرآن الكريم، واعتبر (الفواصل في الآي كالقوافي في الشعر)، والغرض الأساس الذي ألَّف من أجله عبدالقاهر كتاب دلائل الإعجاز هو الكشف عن وجوه الإعجاز القرآني، وبيان مواطن عجز العرب عن مناظرة القرآن، والمتتبِّع لكتاب الدلائل يتبيَّن له جليّاً أن الجرجاني لا يحفل بالمظاهر الشكلية للأسلوب؛ كالسجع وغيرها من ألوان البديع، بل يغوص في عمق المعاني، ولعل هذا هو السبب في عدم عدّه ضروب البديع من البلاغة.

 لكن وبحسب وجهة نظر الكثير من العلماء أن الجرجاني لم يوفق في بطلان إعجاز الفاصلة، فكان رأيهم يقول: القرآن الكريم مُعجِز بمعانيه لا شكله، وهو كتاب يغوص في أعماق النفوس، ويخاطب جميع أنماط التفكير، ويبلغ مراد الله المحكم بلا زُخرف ولا كبير صنعةٍ، وهذا أُسُّ الإعجاز كما صرّح بذلك الجرجاني بقوله: “وينبغي أن تكون موازنتهم بين بعض الآي، وبين ما قاله الناس في معناها؛ كموازنتهم بين قول الله سبحانه: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون)، وبين “قتل البعض إحياءٌ للجميع” – خطأً منهم؛ لأن لا نعلَم لحديث التحريك والتسكين وحديث الفاصلة مذهباً في هذه الموازنة”، بالتالي، إن خراج الفاصلة بشكل مطلق من نظرية الإعجاز، شطط وقع فيها الجرجاني وهو يقيم صرح المعاني على أنقاض المباني والتراكيب المسكوكة، فالفاصلة وجهٌ أساس من وجوه الإعجاز، ولكن بلاغتها أولاً لا من حيث الشكل والسجع كما في الشعر، بل في دقة معانيها، فلقد أدت الفاصلة القرآنية في آيات العقيدة وظيفة رئيسة في إبلاغ رسائل القرآن؛ حيث تماهت جلّ فواصل آيات العقيدة مع فحوى النص، فبالإضافة للدور الإيقاعي الذي هو بمثابة القفل للنصوص، والذي يجلب سمع المخاطبين – تناسقت الفواصل في آيات العقيدة استناداً على المعاني والدلالات التي تؤديها النصوص، وفواصل القرآن ترسم الجوّ الذي دار فيه النقاش حول عقيدة القرآن، وذلك باختيار صيغ الفواصل بدقة شديدة؛ كالتعبير عن ما يختلج صدور المخالفين لعقيدة الوحدانية؛ قال تعالى حكاية عنهم: (واجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب)، كما تتماهى صيغ الفواصل مع مع مضمون النص والسياق الذي يأتي فيه، مثل الفاصلة التي أتت بصيغتي المبالغة (ظلوم) (كفار) عند قوله تعالى: (وآتاكم من كل ما سألاموه وإن تعدّوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار)، حيث أكدت هذه الفاصلة بصيغتها الاسمية ثبات وملازمة صفتي: الظلم والكفران للإنسان.

بالتالي، إن الفاصلة من المظاهر الصوتية التي تشكّل لوحة جمالية تعطي النص القرآني ميزة الإعجاز في الأداء. وقد ساهمت في اختيار الكلمات القرآنية التي تثري السياق، وتقوي بنية القراءة القرآنية لإبراز جمال النص القرآني من منابعه اللغوية التي تكسبنا القدرة على التذوق، وتوصلنا إلى صورة مثالية مقنعة لإدراك عظمة كتاب الله تبارك وتعالى، كما أنّ قيمة الفاصلة في بلاغة النّظم القرآني وحلاوة إيقاعه حقيقة لا تقبل الجدال، وما كان للقرآن أن يحافظ عليها ويختارها بعناية فيأتي بها متمكّنة في موضعها مستقرّة في نسقها لو لم يكن لها شأن كبير في بلاغته وتحقيق أهدافه؛ حيث تجمع حسن النّظم، مع عذوبة اللّفظ، وكثرة الفائدة، وحسن الدّلالة، فهكذا هكذا تتجلّى روعة البلاغة في القرآن العظيم في فواصل الآيات لاسيما سور المفصل يقول ابن جني: “ألا ترى أنّ العناية في الشّعر إنّما هي بالقوافي؛ لأنّها المقاطع، وفي السّجع كمثل ذلك، نعم وآخر السّجعة والقافية أشرف عندهم من أوّلها والعناية بها أمسّ، والحشد عليها أوفى وأهمّ، وكذلك كلّما تطرّق الحرف في القافية ازداد عناية به، ومحافظة على حكمه”.

عبدالعزيز بن بدر القطان / كاتب ومفكر الكويت.

زر الذهاب إلى الأعلى