قراءة في سرديات “شرفة الشواهد المنسية” لهلال البادي

يُقدّم الكاتب هلال البادي نفسه واحدًا من أهم كُتّاب المسرح في المشهد الإبداعي العماني؛ فقد أثرى بنصوصه المكتبة المسرحية في عُمان، وحاز بها على جوائز مختلفة داخل وخارج السلطنة، ومن نصوصه المسرحية أُشير إلى: (جثّة وباب وزلزال: 2006م)، و(دوران في منطقة الصفر: 2007م)، و(ما تبقّى من رثاء خولة: 2008م)، و(بروفة لاثنين: 2009م)، و(ما حدث بعد ذلك: 2010م، النص الحائز على المركز الأول في مسابقة الهيئة العربية للمسرح عام 2010م)، و(هي ليست كل الحكاية: 2019م)، وأخيرًا نص (شرفة الشواهد المنسية)، النص الحائز على المركز الأول بجائزة الشارقة للتأليف المسرحي 2019-2020م.

يقوم نص (شرفة الشواهد المنسية) على الكتابة في ما يعرف بأدب الحروب، فيأخذنا إلى عالم الكتابة الشاهدة على تقاطعات الحروب، وأثرها على النفس البشرية، وتمزّق الأوطان بسببها، والفاجعة بفقدان الناس لمن يحبون. كما يتداخل النص مع غيره من الأجناس الأدبية، ويُظهر تقاطعًا مع النص الروائي أو القصصي باستلهام أبرز عناصره السردية مثل الشخصيات والحوار بنوعيه، والصراع، وتقنيات الزمن المتشكّلة في الأحداث، وتعدد الرواة، مما كان له قيمة كبرى في دراسة النص دراسة سردية خارج إطاره المسرحي.

ويُعد الحوار من أهم العناصر التي تقوم عليها النصوص المسرحية كونه عنصرًا مهمًا يشتغل عليه الكاتب لإبراز الحدث على لسان الشخصيات، فهو اللغة التي تستخدمها الشخصية لإيصال أفكارها، ومناقشة موضوعاتها.

لقد اشتغل الكاتب في نصه على عنصر الحوار بنوعيه (الداخلي والخارجي) لتقديم ما من شأنه أن يواكب الفكرة، وتقديم الشخصيات وعرض انفعالاتها وسلوكياتها ومواجهة الماضي بالحاضر.

كما استطاع الحوار بنوعيه من العودة إلى الماضي في مواضع عدة، وبناء الأحداث الحاضرة، مع إلقاء نظرة تأملية نحو المستقبل.

يبدأ النص باسترجاع الذاكرة المتشظية، والعمل من خلالها على بناء أفكار جديدة للحياة؛ فيسترجع الجندي/ ردّاد ذاكرة الحروب، والحال التي عليها الآن نتيجة إصابته التي تعرّض لها، وكيف انعكس أثرها على واقع حياته.

إنّ النص يقوم على استرجاع وتشظّي الذاكرة؛ فسلوى أيضا تسترجع ذاكرتها إثر علاقة حب مع ردّاد، ثم زواجها به، بذلك يقوم النص في كُلّيته على الذاكرة باستخدام تقنية الاسترجاع، وعلى التّخيُّل باستخدام تقنية الاستباق، وبينهما صراع الحاضر الذي كان الماضي سببًا في تشويهه.

ويمكن قراءة ذلك من العتبة التي وضعها المؤلف للنص، فـ (شرفة الشواهد المنسية) تحيل على دلالات مترابطة:

– الشرفة: الإطلالة، والتأمل، والنظر، وهي ترتبط بالدلالة التي تليها.

– الشواهد: الخراب، والأطلال، والحزن، والرحيل.

– المنسية: الذاكرة المتقطعة، وصراع الماضي والحاضر، والفقد.

إذن فالدلالات في مجملها تشير إلى مشهد تكويني بصري، قائم على مرادفات الخراب والفقد والنسيان، ومشهد ممتلئ بالحسرة ومتوشح بالحزن.

إنّ اختيار الكاتب لتلك الدلالات له أبعاده النفسية في النص، والذي من خلاله استطاع إبراز دواخل شخصياته، وتوزّع نظرتها بين الماضي والحاضر، ونظرة الكل تجاه الفرد، والصراع المتشكّل في الحياة بين شخصيات مختلفة في طبائعها. ثم إنّ لدلالات الفقد الواضحة عند الأشخاص رؤية تصطبغ بها الأحداث والشخصيات؛ فالماضي السحيق المرتبط بفقد الأشخاص، أو فقد أجزاء جسمانية للشخصيات، أو حتى فقد اللحظات والذكريات الجميلة لها أثر تنبني عليه الأحداث، وتقوم الشخصيات برسم ملامحه في النص.

عموما فالنص بعناصره السردية قدّم لمحة عن التداخل الكبير بين الأجناس الأدبية، والتفاعل معها لإنتاج نصٍ أدبي قائم على الفنيات الأسلوبية.

هنا أقدّم لمحة عن وظائف الحوار التي اشتغل عليها الكاتب، كون الحوار عنصرًا مهمًا في الكتابة المسرحية، إذ يقدّم نص (شرفة الشواهد المنسية) وظائف متعددة للحوار، منها:

أولا: الكشف عن بواطن الشخصيات:

التي في أكثرها تعيش واقعًا متأزمًا، ومسكونة بالماضي وجراحه وآلامه، وهو ما يعبّر عنه كلّ راوٍ في النص بدءًا بردّاد الذي خسر قدمه وعينه في الحرب، وسلوى التي تعيش مع ماضي رجل مقعد، إلى الفتى الذي فقد إخوته في الحرب وبَقيَتْ شواهدهم دالّة على جراح الزمن.

ففي حوارين متصلين مع بعضهما، (المشهد الثاني: ص13)، تكشف سلوى عمّا يجول في باطنها، وينفتح الحوار على مونولوج داخلي لها وهي (تحوك ثوبًا) قائلة: “أف، لقد سئمت وضع كل يوم، سئمت هذه الحياة! إلى متى استمر في حياة كهذه الحياة؟ لقد تعبت، تعبت بكل ما تعنيه الكلمة! منذ أن عاد من الحرب التي لم يشأ أصحابها أن ينهوها، وأنا أعيش هذا الوضع المقرف. ألأنني أحببته؟…”. هنا ينكشف الحوار على نفسية متأزمة للشخصية، مردّها سنوات من الحب، وسنوات أخرى من الحزن والوجع، كما تظهر في الحوار دلالات التحسّر على الواقع باسترجاع الماضي، وتأتي مفردات (كنت ساذجة، مغفلة، لا أعي من الحياة شيئا، لا أعي ما تعني كلمة حب! كنت غبية وصغيرة وبريئة!) دالّة على ذلك.

ثم ينتقل المشهد بحوار خارجي بين سلوى وفتيات القرية في مشهد سابق لرؤية ردّاد والإعجاب به، لحظة إطلالته ببدلته العسكرية قادمًا من التدريب، ثم ينقطع الحوار ليتشكّل بعده حوارٌ آخر بين ردّاد وسلوى لتعود دلالات توتّر العلاقة الزوجية وانفعالات الشخصيتين بارزة بصور أوضح: “الزوجة: أسمعك، صدقني أسمعك. لا داعي لهذا الصراخ اليومي البائس. سآتيك، سأقوم بما أقوم به كل يوم. أعرف ما تفكر فيه، أكاد أرى أفكارك البغيضة… كم أنت مقرف! صراخك يضايقني، صوتك الفج كرعد بلا أمطار، سنواتي معك لم تمطر إلا الحزن والقرف! لماذا أخلص لك؟ لماذا لا أتركك كالكلاب! لماذا لم أفعلها كما الأخريات؟ أين هن اللائي حسدنني عليك؟ كنت أرى غيظهن في عيونهن بعدما طرقت أنت ووالدتك الباب طالبين يدي للزواج”. (ص:14)، ويستمر الحوار بين سلوى والفتيات نابشاً الماضي ولحظات الحب، لينتهي بعده بتذمرٍ مستمر من الزوجة على واقعها: “الزوجة: وماذا كسبت سوى رجل مقعد بعد حين من الزمن؟ عين واحدة تعمل والأخرى لا تعمل! ساق واحدة والأخرى لا تعمل! وفوق هذا لا ينالني منه سوى هذا الصراخ الذي لا ينتهي.

الزوج: افركي أسفل الظهر. الزوجة: سأفرك. ماذا بيدي أن أفعل غير أن أفرك لك؟ أدعكك لعل شيئا مما في رأسك يختفي ويزول. سأفرك وأفرك وأفرك، وليت الحياة تفركني فأغيب في دهاليز نسيانها وينتهي كل هذا العذاب”. (ص:15).

لقد أظهرت الحوارات السابقة انفعالات الزوجة، وكشفت عن صراع داخلي تعيشه، موزعٍ بين الماضي والحاضر، وبين صورة الحبيب وشبحه، وبين لحظات الحب ولحظات الفتور والحزن.

ثانيا: ترابط الأحداث واستمرارها:

في موضع آخر يكشف الحوار جانبا من الشخصية الرئيسة وارتباطها بالأحداث، فنجد ردّاد يسرد سرَّ ارتباطه بالجيش في العشرين من عمره، ويمتد الحوار بينه وبين أمه ليكشف عن حب الوطن، وشرف الدفاع عنه، ومعه تتسع الأحداث وتنتقل لأرض المعركة ومنها إلى القرية، وتَطَلّعُ الفتيات له في بدلته العسكرية، إلى مشهده الأخير في المنزل وقد أصبح مقعدا نتيجة إصابته في الحرب.

إنّ حوار ردّاد مع أمه كشف عن نتائج أخرى يعرضها النص، منها: إنّ التعليم هو القيمة الكبرى في بناء الأوطان والدفاع عنها، وإنّ الحروب لا تعود إلا بالخراب على أهلها، لكنّ الحوار أظهرَ أيضا جانبا مخالفا على لسان ردّاد كون الوطن في أمس الحاجة لأبنائه للدفاع عنه أمام المعتدين.

هنا يتخذ الحوار شكلا من أشكال الهوية والانتماء، لكن هذا الانتماء ستتصدع فكرته في مخيلة ردّاد مع توالي الأحداث واتساعها، وعدم وجود الاهتمام الكافي من القائد والمؤسسة العسكرية بعد الحرب. هنا يربط الحوار الأحداث بعضها ببعض في أكثر من موضع ويعمل على إسناد الشخصيات وإبراز الصراع فيما بينها.

ثالثا: تفسير الماضي وعرض ذاكرته:

إذ إنّ العودة إلى الماضي جزء مهم في بناء أحداث النص، فقد أدّت العودة إلى الوراء لكشف الماضي وتقديمه في صورة تخدم الحاضر والمستقبل. يبدأ النص في حواراته على استقدام الماضي والتحسر عليه، “يا للتعاسة! أنا الجندي الذي أسر جنود العدو؛ أمسي أسيرا لسرير بارد!.. ههه! كانت أياما تعيسة بمقدار الزهو الذي عشناه!”. (ص:9)، ويستعيد ردّاد الماضي في حواراته مع القائد من أرض المعركة وبعد المعركة ناقلا لنا ذاكرة الحرب، لكن الحوار الداخلي في النهاية يبرز مشددًا على علاقة الماضي بالحاضر: “هه. وظننت أن كل شيء سيكون خيرًا! لا يهم إن تعرضت للأذى، فإنهم سيعالجونني! لا يهم إن تألمت، أو ما عدت ذلك الجندي الخطير، رداد الذي يقسم من هم أرفع رتبة منه باسمه، وبأنه لم يولد جندي مثل رداد! وها أنا ذا، عاجز وكسيح، لا أملك إلا أن أنادي على سلوى.. أين أنت يا سلوى؟”. (ص:11)

رابعا: علاقة الشخصيات ببعضها:

يقدّم الحوار أيضا صورة عن الشخصيات وارتباطها فيما بينها، فعلاقة ردّاد بسلوى قبل الحرب مغايرة لما بعد إصابته في الحرب، وعليه فإن الحوار في المشهد الخامس قدّم حالة الفتور الشديد بين ردّاد وزوجته سلوى. إن سلوى تعيش حالة من تدهور الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فتربط كل ذلك بالحرب، وانعكست الحال على ردّاد وعلاقتهما معا.

ويحتدم الحوار في هذا المشهد، وتظهر العلاقة بين شخصين كانا قد جمعهما الحب، لكن لسوء الأحوال تسوء العلاقة، فيقدم الحوار هذه الصورة في وضعها الحالي: “كانت أجمل اللحظات التي لا تدوم. ثم جاءت الحرب، وفعلت ما فعلت، وها نحن نعيش. نعيش في انتظار الخلاص!”. (ص28).

وفي المشهد السادس يعبّر الراوي على لسان الفتى عن الحوار الدائر بين الزوجين في توضيح العلاقة بينهما: “هذا الحوار لا يدور بينهما كثيرا. لكنني لا أستطيع سماعه! من وجهيهما أكاد استشف حالة من الغضب، أو الحزن. مثلما لا بد أن يكون مصاباً بالحزن والغضب”. (ص:29)

لقد قدّم الحوار لنا لحظات الفتور، والحزن والخوف والبؤس، لكنه في لغته الحوارية لم ينس أن يعيد الرومانسية إلى محيط الحرب وذاكرتها، فيحاول في المشهد العاشر أن يقيم حوارًا ضمن مشهد رومانسي يؤكد من خلاله أن الحب أقوى من الحرب، وأن ذاكرة الحب قادرة على مواجهة ذاكرة الحروب والدمار.

يؤكد الحوار في المشهد الأخير بين الزوجين على العلاقة الحتمية ومدى القرب، والثنائية المشتركة في الحياة وبعدها، ليتدخل الراوي على لسان الفتى -الذي أُوجِدَ في النص لتفسير الأحداث وتقديمها ومجاورة الشخصيات- قائلا: “كان يمكن للقصة أن تنتهي هنا، مع تلك القبلة. إلا أن للقصة تتمة، كنت الشاهد عليها، وكاتبها الذي يرويها. كان يمكن لذلك المساء أن يكون أكثر رقة، فما رأيته أوحى بذلك. لكننا كنا وما زلنا نعيش البؤس، ولا فائدة ترجى من ابتكار حلم!

ليلتها قررت الطائرات أن تغير مجددا. كنت أقف في شرفتي هناك أطل على لحظة بهية، عندما دوى صوت الصفارة، ثم بدأت السماء تمطرنا بالنار. هكذا كان علي أن أشهد الموت مرات عديدة، وأن أصنع شاهدين جديدين، شاهدين آخرين لن يعرفهما بعد حين أب أحد، يندثران بعد حين من الزمن، ولا أحد سيتذكر لمن كانا أو ما قصتهما. أضعهما هنا، هنا حيث انتهت القصة”. (ص47)

المصدر: جريدة عمان

زر الذهاب إلى الأعلى