النخبة بين الثورة و الإصلاح

قراءة الواقع والوقائع السياسية قراءة صحيحة تؤكد أن النظريات السياسية لا تصلح للتطبيق العملى على أى أحداث سياسية فى بلد ما تتطابق مع ذات الأحداث فى بلد آخر، ولكن الأحداث السياسية والثورات التاريخية هى التى تصنع تلك النظريات السياسية التى تدخل فيما بعد فى إطار الدراسات السياسية التاريخية. فتعريف الثورة هو إسقاط النظام السياسى وتغيير الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية تغييرًا جوهريًا للأحسن. وعلى ذلك لو استطلعنا تاريخ الأحداث التى أطلق عليها (ثورة) فى مصر مثلًا نجد أن الثورة العرابية وتمثلت فى قيادة أحمد عرابى قوات من الجيش المصرى لمطالبة الخديو توفيق لبعض المطالب الإصلاحية وليست الثورية، حيث إن النتيجة لم يتولد عنها أى تغيير جوهرى فى مجمل الحياة المصرية، كما أن ثورة ١٩١٩ وكانت أيضًا فى إطار المطالبة بالاستقلال الوطنى بعيدًا عن قبضة يد المحتل الإنجليزى الذى كان يدير البلاد من الألف إلى الياء. نعم حصلت مصر على استقلال صورى مع حياة ديمقراطية صورية لم تشفع ولم تنفع فى أى تغيير جذرى للحياة فى مصر. كانت ثورة يوليو ١٩٥٢ فقد بقيادة القوات المسلحة بحسها الوطنى فأسقطت الملك فانضم لها الشعب المصرى فحولها من انقلاب إلى ثورة حقيقية قامت بتغيير مناحى الحياة تغييرًا جذريًا لصالح قوى الشعب العاملة، وحيث إن الثورة لم تنتج تنظيمًا ثوريًا حقيقيًا يحافظ عليها فوجدنا بعد وفاة ناصر من قام بتغيير الوضع لغير صالح الطبقات الشعبية بل كان القرار لإسقاط أهداف ومبادئ يوليو.

فى عهد مبارك نضج العامل الموضوعى وهو وعى الشعب وإحساسه بالمشاكل والظلم الاجتماعى وتزاوج الثورة مع السلطة، مما جعل الغالبية من الشعب يتحمل ما لا يطيق من أعباء لصالح القلة الثروية. ولكن لم يتوازى مع ذلك نضوج العامل الذاتى وهو التنظيم الثورى القادر على حشد الجماهير، وأن يكون بديلًا للسلطة والقيام بالتغيير. ولكن كان ولا يزال هناك نخبة غير ناضجة ولا مالكة لأساليب العمل السياسى الجماهيرى الذى يرتبط بالجماهير معبرًا عنها ومحققًا آمالها وأن يكون بديلًا، ولذا وجدنا بعد تحرك الجماهير نتيجة لنضوج العامل الموضوعى، غيابًا حقيقيًا للنخبة البديلة، فكانت هبة يناير ٢٠١١ والتى ساندتها القوات المسلحة وعلى أرضية وطنية حماية للوطن، فكان البديل هو جماعة الإخوان التى لا تعرف ثورة ولا تقصد إصلاحًا بقدر حصولها على السلطة التى تحقق لها أهدافها التى تتناقض مع أهداف ومصالح وآمال الجماهير.

هنا كان العامل الموضوعى أكثر نضوجًا من كل مراحل التاريخ المصرى، فأدرك الشعب بحسه وانتمائه الوطنى أن الوطن فى خطر داهم، فكانت الهبة الجماهيرية الشعبية غير المسبوقة فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣، والتى ساندتها القوات المسلحة وأسقطت الجماعة. هذه أحداث أطلق عليها تعبير ثورة مجازًا بالطبع، ولكن هل كل هذه الأحداث ثورات بالمعنى السياسى للثورة؟ هنا نقول حتى تعريف الثورة ليس بالضرورة لا بد أن يظل ثابت العبارات، ولكن الأوضاع والواقع السياسى هى التى تحدد إن كانت ثورة أم حركة إصلاحية.

كما أن الواقع العالمى يجعلنا نقول ونسأل هل التغيير الجذري فى المجتمعات الآن يحتاج إلى ثورة بالمعنى التقليدى والتاريخي للتعريف أم يحتاج إلى حركات إصلاحية محددة ومرسومة؟ والإصلاح هنا يعنى المطالبة والعمل الجاد العلمى والسياسى لتغيير الأوضاع ولتصحيح الأخطاء وحل المشاكل وتحقيق الأمانى عن طريق النظام القائم وإنه لا بد من تغيير الأشخاص حتى تكون المياه جارية بعيدًا عن الركود والثبات فى نفس المكان.

لاشك لا أحد يقول بقيام ثورة كل يوم، أو أننا نجارى تعبير الثورة مستمرة، لأنه إذا كانت الثورة هى عمل غير تقليدي وهى حالة استثنائية فهل سنظل ونعيش طوال الوقت فى ظل هذه الحالة الاستثنائية؟ إذًا الأمر يحتاج وطوال الوقت إلى الإصلاح المستمر الذى يجدد الحياة السياسية. ذلك الإصلاح الذى يعتمد على الحوار الموضوعى مع كل الأطراف الوطنية الساعية لصلاح هذا الوطن، الإصلاح الذى يسعى دائمًا إلى إرساء دولة القانون والعدل والعدالة الاجتماعية لكل المصريين دون استثناء لأحد، إصلاح يجعل المواطن منتميًا حقيقيًا عن طريق المشاركة فى اتخاذ القرار من خلال الحوار الدائم مع الجماهير من خلال كل وسائل التواصل الجماهيرى.. حفظ الله مصر وكل المصريين وشعبها العظيم.

جمال أسعد

زر الذهاب إلى الأعلى