( يا أسفاه على أعز الرجال وأنقاهم )

تشرق شمس العاشر من يناير ، ليست كشمس بقية الأيام ، لا تحمل الدفء كعادتها في مثل هذه الايام من السنه ، بل تبدو حزينة مكتئبة، على رأسها عصابة سوداء، يبدو أن شمس هذا اليوم كانت تفضل الاحتجاب والاختباء خلف الغيوم، فكيف لهذه المنيرة الشروق على شعب تملأ الحسرة قلوبهم، وهم في كربة ولوعة  منذ رحيل باني نهضتهم الحديثة،  مولانا السلطان قابوس طيب ألله ثراه، في هذا اليوم ولعام مضى، حدث الحزن الكبير، وتوقف الفرح الكبير، فأنحسرت أمواج الروعة والجمال والألق، فما أسرع مرور الأيام ، كأنها مسبحة في يد شيخ وقور.
فيا أيها الخالد في قلوبنا، السلام عليك يوم ولدت ويوم مت ويوم يبعثك الله حيا، لقد كنت رمزا ونبراسا للوفاء، وستظل  تلك الصفات مغروسة في نفوس العمانيين إلى يوم يبعثون.
قابوس أنت من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا ألله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وستظل سيرتك الإنسانية الخالدة مرجعا للأجيال القادمة.

العاشر من يناير ٢٠٢٠م صعدت روحك الطاهرة إلى السماء، فأصبحنا كالمسكين ذي متربة، ننظر إلى أبناء شعبك، فنلمح سحابة حزن على الوجوه، تتهدج الأصوات باكية عندما ينطقون اسمك( قابوس ) جُرحهم دامِ وهم صامتون، حُزنهم جمُ وهم صابرون، في ظهورك الأخير كان حزنا يسكن في عينيك وألم ، لم تكن لدينا القدرة على فك طلاسمه،  واختفت خطاباتك إلى الأبد، رحل ذلك الصوت الذي يطرب الأسماع، وكان يشبه هزيم الرعد، تهتز له القلوب والأبدان قبل أركان المنصة، كان الترياق الذي يشفي المريض من أوجاعه، في مساء يوم الجمعة العاشر من يناير ٢٠٢٠م، أغمضت عيناك إلى الأبد، وعسعس ليلنا، ولم يتنفس صبحنا التالي، وأظلمت الحياة في أعيننا وأزدادت وحشتها، عندما ووري جثمانك الثرى، فأطبق على الأمة صمت رهيب، عندها أسرجنا مصابيح البكاء، في كل زاوية من أرض الوطن،  غصت حلاقيم المعزين، ولسان الحال يقول.. رحل من كان مفازة الظمآن، وملاذ الخائفين، فبرحيلك يا قابوس سدت أبواب السلام أو تكاد.

غربت شمسك وتوشحنا بالصمت، وقلنا يا أسفاه على أعز الرجال وأنقاهم، فأصبحت العيون مبيضة من الحزن فهي كظيمة، لكننا أمة محتسبة لقضاء الله وقدره، وقلنا الحمدلله على كل حال، والحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، فوصيتك الغالية أذهبت عنا الحزن،  لم تتركنا للشيطان يعيث فسادا بيننا، بل تركت  وصية دونها التاريخ بماء الذهب، فكانت آخر دروسك الحكيمة التي ميزتك عن الآخرين.

لقد حملت الأمانة فسموت بالوطن ورفعته إلى البروج العالية، وكم من صغار القوم حاولوا الاقتراب من قامتك الشامخة لكنهم تقهقروا وتراجعوا ولم يحصدوا غير الذل والعار، وكم من وجوه عابسة قبيحة حاولت سرقت الألقاب والتاريخ فانكفأوا  على أنفسهم خائبين، كمن يطلي القصدير بالاصفرار، حتى يبدو ذهبا يتوهج باللمعان، يخادعون ألله والذين أمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، لقد جبلت أخلاقهم على ذلك منذ القدم إلا أن الثوابت هي الثوابت لا تتبدل وفق معايير الأمم والحضارات.
أيها الخالد في قلوبنا ، يوم رحيلك بكتك السماء قبل الأرض ، رحلت وتركت لنا وطنا يعانق الثريا.. فيا الله أكرم مثواه، واجعله من ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) 

بقلم / بدر بن عبدالله الهادي

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى