الشخصية الوطنية وحرية التعبير


جاء بالدستور المادة 65( لكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو بالكتابة أو بالتصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر ). هنا يهتم الدستور بضمان حرية التعبير عن الرأى بكل الوسائل المتاحة والقانونية، حيث إن الحرية في حد ذاتها قيمة إنسانية قبل أن تكون حقا سياسيا، كما أن التعبير عن الرأى هو الأداة المتاحة للإنسان وللشخصية الوطنية بأن تعبر عن رأيها وتحقق ذاتها في إطار المشاركة السياسية في اتخاذ القرار. واذا كانت الديمقراطية النيابية في شكلها التقليدى الذى يعنى انتخاب نائبا عن الشعب لكى يعبر عن قضايا ومشكلات واهتمامات وتطلعات وآمال الشعب، فأن التطور التكنولوجى الذى أبدع وسائل التواصل الاجتماعي بوسائطها المختلفة،في جانبها الايجابى، قد أصبحت الآن هى البديل الجاهز والسريع للتعبير عن الرأى العام بل والخاص الذى يعطى للفرد المواطن فرصة ابداء الرأى في القضايا العامة والمشكلات الخاصة، وبالطبع لا بد أن يكون هذا في إطار القانون حتى لا يتجاوز أحد حقه القانونى في حرية التعبير عن الرأى. هذا مما جعل العالم كله وفى إطار التطور الانسانى والسياسى يعيد النظر في شكل هذه الديمقراطية التقليدية، كما أن هذا التطور يجعلنا نعيد النظر في قضية التعبير عن الرأى وان نعطى المساحة المطلوبة في كل وسائل الإعلام لهذه الحرية التعبيرية، ذلك لأن حرية التعبير هى أحد المكونات لإعداد مواطن وشخصية وطنية تجيد التعبير عن الرأى مما يجعلها شخصية سوية نفسيا ومشاركة سياسيا ومتفاعلة اجتماعيا،الشيء الذى يضيف للوطن ولايخصم منه. هنا يجب على جميع المجالات السياسية والدينية والاجتماعية والتعليمية والإعلامية أن تقوم بدورها في أعداد الشخصية الوطنية حتى تمارس هذا الحق في التعبير. والتعبير عن الرأى يحمى الفرد من الأمراض النفسية ويخرجه من مشكلاته الاجتماعية ويعده للمشاركة السياسية التى يحتاجها الوطن في كل الاوقات،فالحجر على حرية الرأى يولد حالة من حالات الخوف،حيث إن الخوف هو الشعور الناجم عن الإحساس بالخطر أو التهديد المتصور والمتخيل الشيء الذى يفضى في نهاية المطاف إلى تغيير في السلوك فيكون الهروب والاختباء والتجمد والتقوقع والجبن والخوف من إبداء الرأى ووصولا إلى شخصية لا تجيد غير النفاق والرياء. هنا وفى هذا الإطار تحضرنا واقعة الطالب الجامعى الذى أبدى رأيه في برنامج التاسعة بالقناة الاولى في ماسبيرو (قناة الدولة وليست قناة خاصة أو غير مصرية) في قضية كورونا وتكدس الطلاب في مدرجات كليته الشيء الذى يمكن أن يؤدى إلى كارثة لاقدر الله،في الوقت الذى أوضح فيه الطالب بأنه قد اعلم عميدة الكلية بهذا كما حاول مقابلة رئيس الجامعة وفشل في ذلك. فماذا كانت النتيجة تجاه هذا الطالب؟ كانت الفصل لمدة عام بحجة التشهير بالجامعة !!!. هنا كانت تلك الهبة في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ضد هذا القرار الجائر مما جعل وزير التعليم العالى يطلب التحقيق في هذه الواقعة بل التحقيق مع المحققين الذين اقترحوا هذه العقوبة. نعم تم إلغاء قرار الفصل. نعم التقى رئيس الجامعة بالطالب. ولكن هنا لا بد من وقفة واضحة وصريحة. هل هذه السلوكيات وتلك الممارسات تتسق وتتطابق مع حرية التعبير عن الرأى؟ وهل مثل ذلك القرار يمكن أن يصدر من شخصية سوية تقدر الحرية وتعى فكرة اعداد الطالب فكريا وثقافيا حتى يكون مواطنا مشاركا يفكر ويعى ويشارك لصالح الوطن الذى يحتاج إلى جميع ابنائه؟ فهل لنا بأن ننزع الخوف من داخلنا مواطنين وموظفين حتى نبدل هذا الخوف بحالة إبداع في اتخاذ القرار بعيدا عن التعقيد والروتين والبعد والهروب تحت ادعاء التعليمات.
الوطن يحتاج إلى كل أبنائه ويحتاج إلى بناء الشخصية الوطنية الواعية والعارفة والمنتمية التى تجيد التعبير عن الرأى بحرية وثقة وفى إطار القانون دون استغلال من قبل المتربصين الذين لا نقصدهم في تلك الحرية،لأن هناك فارق بين حرية ابدأ الرأى واستغلال هذه الحرية في التربص والتشهير بما يخالف القانون. حمى الله مصر وشعبها العظيم.


أسعد جمال – عضو سابق في مجلس الشعب المصري

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى