في شقته اللندنية دعا سلطان أصدقاءه ذو الجنسيات المختلفة على وجبة عشاء فكان استقباله لهم بالقهوة (المزعفرة) ولاحظ تباين الآراء بين محب لها وممتعض من طعمها واستقبل سلطان ذلك بكل روح رياضية ولكن لفته تعليق صديقه الألماني الذي لم تعجبه القهوة لكنه بادر بقوله : لا أستطيع القول بأن القهوة جيدة أو سيئة، لكنها مختلفة!
هكذا معاشر الألمان، دقيقون في كل شي حتى في إنتقاء كلماتهم وكأنهم يرضعون الجودة مخلوطة بحليب (النيدو) منذ صغرهم ولا تستغربوا ذلك فأسلحة الصيد التي تم اكتشافها في منطقة شونينجن الألمانية والتي تعود لما قبل ٦٠٠ ألف سنة تؤكد أن أمر الجودة لدى الألمان (مخلف ما مولف) فلا تستغربوا جودة صناعة (بي ام دبليو ومرسيدس) فالعرق دَسَّاس.
ألمانيا التي أبكت أكثر من ٢٠٠ مليون برازيلي بسباعيتها في كأس العالم لكرة القدم في عقر دار (السيليساو) وبذلك تقدم درسا في التخطيط وتجويد المخرجات الذي جاء أثر خروج المنتخب الألماني المذل من بطولة (يورو ٢٠٠٠) فتم التركيز على تطوير المدربين والمراحل السنية ورعاية الموهوبين والمرافق الرياضية وبذلك تحقق هدف الحصول على كأس العالم عام ٢٠١٤ م بفريق عناصره من مخرجات تلك الخطة التطويرة ما عدا المهاجم الاحتياطي (كلوزه). حتى على مستوى الأندية الرياضية يأتي بايرن ميونخ بطل دوري أبطال أوروبا وصاحب الرقم القياسي فيه ليقدم درسا مستمرا في تفوق العمل الجماعي على الإبهار الفردي الذي نترقبه دائما من (ميسي وكرستيانو).
عند الألمان لا صوت يعلو فوق صوت التكامل والتعاون وهذا ملاحظ في المشهد الألماني الذي يصنف بأنه من الإقتصاديات الكبرى عالميا وهناك الرعاية الصحية التي لا مثيل لها وهناك البحث العلمي الذي أهدى لألمانيا ما لا يقل عن ٥٠ جائزة نوبل وذلك لم يحدث عبثا بل بالتخطيط المسبق وتنوع الطرح والعمل بروح الفريق في إطار أهداف محددة وبيئة حاضنة للمبدعين تخرجهم لواجهة التألق – وليس إلى خارج الأسوار – وليتخذوا شعار (حل التحديات العظيمة في العلوم والصناعة والمجتمع) بميزانيات ضخمة وليس بالفتات!.
إن التجربة الألمانية ملحمة نجاح لم تمنعها ظلمة العصور الوسطى بما فيها من الصراعات والإغتيالات وتسلط الكنيسة ولم تمنعها الحربيين العالميتين التي خرجت منها مطحونة القوى بل عادت سريعا كما طائر الفينيق في اساطير الإغريق القدماء وذلك لم يحدث بالعنتريات بل بالتخطيط السليم وبناء منظومة علمية متكاملة متأنية غير محروقة المراحل ليتحقق الإبهار الذي نراه دائما في معلقة مَمَادِح الألمان.
محمد بن سيفان الشحي
٣٠ يناير ٢٠٢١ م
