ترجمة: أحمد شافعي –
يعيش النظام العالمي الليبرالي منذ بعض الوقت معتمدا على دعم كبير. فقد وصف الرئيس بايدن الديمقراطية في خطبته الرئاسية الأولى بـ”الهشاشة”. والرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال قبل سنتين إن “الفكرة الليبرالية” قد “استنفدت غرضها”، بينما أشاد الرئيس الصيني شي جينبنج بقوة الدولة المهيمنة مشيرا في مارس الماضي إلى “ما في نظامنا من ثقة في النفس”.
جاء رد الفعل العابر للقوميات تجاه غزو روسيا لأوكرانيا ليبين أن زوال النظام العالمي القائم على قواعد ما بعد الحرب قد لا يكون أمرا محتوما.
فقبل شهر ما كان أحد ليتنبأ بأن ألمانيا قد تناقض عقودا من التردد العسكري وتضخ 100مليار يورو في ميزانيتها الدفاعية، أو أن تجمد سويسرا أصول الطغمة الروسية الحاكمة، أو أن يقوم موقع يوتيوب وكأس العالم لكرة القدم وشركات الطاقة العالمية بقطع الروابط مع روسيا.
لكن عودة الحرب للظهور في أوربا هي الأخرى نذير. مع لجوء الأطفال إلى أنفاق المترو، وتعرض محطات الطاقة النووية للخطر، يتردد في الأجواء إنذار بغارة عالمية، تحذيرا من أن النظام الدولي أمريكي القيادة بحاجة إلى إعادة تنشيط نفسه، من أجل الحرب القائمة ومن أجل مكافحة الاستبدادية القادمة.
قال جيمس ستافريديس، العميد المتقاعد في البحرية الأمريكية والقائد السابق للناتو في أوربا “إن النظام العالمي أقيم في خمسينيات القرن الماضي، ولو نظرت إليه نظرتك إلى سيارة من هذه الفترة، لوجدت هذه السيارة مضعضعة، عفا عليها الزمن من أوجه كثيرة، وقد ينفعها شيء من الإصلاح، لكنها لا تزال على الطريق، وتتحرك، ومن المفارقات أن يكون فلاديمير بوتين هو الذي فعل في الأسبوع الأخير من أجل تنشيطها أكثر مما فعله أي شيء آخر في حدود ما أتذكر”.
بصورة شبه مطلقة، تبدو أوكرانيا لقادة أوربا وآسيا ولمسؤولين أمريكيين راهنين وسابقين بمثابة امتحان لبقاء فكرة عمرها خمسة وسبعون عاما هي فكرة أن الديمقراطية الليبرالية والقوة العسكرية الأمريكية وحرية التجارة قادرة على تهيئة الظروف المواتية للسلام والرخاء العالمي.
ولأن واضعة أسس هذا المفهوم، أي الولايات المتحدة، لم تزل تواجه صعوبات ـ التحزب ووباء كوفيد والفشل في المناطق الحربية البعيدة ـ فإن كثيرا من قيادات السياسة الخارجية يرون أوكرانيا بالفعل في ضوء قاتم باعتبارها علامة على نهاية الحقبة الأمريكية وبداية لحظة أكثر تنافسا وأقطابا.
إننا نشهد منذ عقد من الزمن على الأقل اختفاء البلاد الديمقراطية الليبرالية. فقد بلغت أعدادها الذروة في 2012 وكانت 42 بلدا، والآن لا يوجد إلا محض 34، يسكنها فقط 13% من سكان العالم، وفقا لحسابات منظمة “في ديم” غير الربحية المعنية بدراسة الحكومات. وفي كثير من هذه البلاد، بما فيها الولايات المتحدة، نشهد صعودا لـ”الاستقطاب السام”.
بالنسبة لأوكرانيا وقادتها المنتخبين ديمقراطيا، تبدو احتمالات النجاة قاتمة بصفة خاصة. فالعقوبات ـ وهي السلاح الأثير للتحالف المناهض لبوتين ـ لها تاريخ طويل في العجز عن تغيير سلوك الدول المارقة أو القادة المارقين. وبرغم كل حديث الدفاع عن الحرية، فقد تعهد الرئيس بايدن مرارا وتكرارا بأن الجنود الأمريكيين لن يحاربوا من أجل حق أوكرانيا في الوجود، وإن هرب بالفعل ملايين اللاجئين أو بدا كما هو باد بالفعل أن الرئيس بوتين عازم على الاستيلاء على البلد بأكمله.
قد تكون أوكرانيا أيضا الاختبار الأول من اختبارات عدة للنظام القديم.
فقد قال الرئيس الصيني شي قبل أشهر قليلة إن “إعادة التوحد” مع تايوان ـ وهي بلد ديمقراطي آخر يعيش في ظل جار استبدادي ـ “لا بد أن تتحقق”.
وقد تحدث الرئيس بايدن في خطاب حالة الاتحاد يوم الخميس بصراحة عن المخاطر المستقبلية فقال “إن الطغاة حين لا يدفعون ثمن عدوانهم، يتسببون في مزيد من الفوضى”. وأصر على أن يحاسب العالم الحر الرئيس بوتين.
بل إن بعض المشككين يرون بوادر صحوة ليبرالية. إذ قال ريان كروكر ـ السفير الأمريكي المتقاعد لدى العراق وأفغانستان ـ إن إدارة بايدن أثبتت بعد الانسحاب الأمريكي الكارثي من كابول أن الولايات المتحدة لم تزل قادرة على قيادة العالم وتكوين رد عالمي قوي.
والمؤرخ المحافظ روبرت كاجان الذي أشير مرارا في صراع أوكرانيا إلى كتابه الأخير “عودة الأدغال” قال إنه هو الآخر فوجئ مفاجأة سعيدة بسرعة العالم الليبرالي في “الارتداد إلى مكانه”.
وقال “لقد تأكدت بصورة كبيرة دروس قديمة عديدة تعلمناها قبل زمن بعيد ونسينا أمرها” من هذه الدروس في ما يبدو أن التحالفات مهمة. ولكن الدرس الأهم في نظر الكثيرين هو صدى لما توصل إليه فرانكلين روزفلت وهاري ترومان بشأن الحرب العالمية الثانية: لا يمكن أن تتراجع أمريكا إلى الانعزالية، فرخاؤها يعتمد على عملها ومحاولتها إقامة السلام بين قوى العالم الكبيرة.
قال روبرت كاجان “لقد تزايدت اللامبالاة لدينا، وهذا ما جعل مثال بوتين صارخا. لقد كانت لدى كثير من الناس نظرة مريحة وحميدة لما قد يبدو عليه شكل عالم ما بعد أمريكا، وهو أنه لن يعدو تكيفا من أصحاب الآراء المختلفة، وحينما تكون العواقب حربا، فهذه صدمة للناس”.
“جدير بهذا أن يجعلهم يعيدون النظر في افتراضاتهم السابقة لما ينبغي أن تفعله أمريكا”.
ومع ذلك فإن أي محاولة لإقامة نموذج للتدخل لا بد أن تتعمال مع التاريخ الحديث المشحون. فالحرب الباهظة على الإرهاب التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر 2001 حولت تركيز البلد وقوضت ثقة العالم في النوايا والكفاءة الأمريكية.
قالت فاندا فيلباب براون زميلة معهد بروكنجز في حوار من ليبيا إن غزو العراق برغم الاحتجاجات العالمية، ومشاهدة الحرب وهي تستمر لعقود دونما إحراز تقدم، أمر عصيب على الشعب الأمريكي.
قالت “هناك ضجر من الموت بلا ثمن. بل يكون الثمن هو رجوع الطالبان إلى الحكم، وفساد الوضع السياسي في العراق بإدارته الإيرانية”.
تلقت الطريقة الأمريكية في إدارة العالم ضربة أخرى في الأزمة المالية العالمية سنة 2008. فقد تسببت وولستريت وواشنطن ـ وليس موسكو وبكين ـ في فوضى عالمية دون معالجة لموجة التفاوت المرتبطة بالعولمة. ثم جاء الرئيس دونالد جيه ترامب الذي حول كل هذا الإحباط إلى حملة مظلومية تستهدف الداخل.
من وجهة نظره، أصبحت الولايات المتحدة ضحية لا مستفيدة من “النظام القائم على القواعد”. ولم تكن البلاد الأوربية ـ في نظر الرئيس ترامب ـ حلفاء بل عالة. وفي حين أن الرئيس بايدن يقول منذ ذلك الحين إن “أمريكا رجعت”، لم يزل أغلب العالم يتساءل: إلى متى؟
تظهر استطلاعات الرأي باستمرار تراجع الاهتمام بالشؤون العالمية لدى الأمريكيين وتراجع الإيمان بقدرة الديمقراطية على الإنجاز. ووصلت الانقسامات السياسية إلى مستويات عالية بحيث تصح مقارنتها بالحرب الأهلية.
قال إيفو دالدر رئيس مجلس شيكاغو للشؤون العالمية والسفير لدى منظمة حلف شمال الأطلسي في إدارة أوباما إن “التحدي الأكبر للنظام هو القاعدة المحلية للقوة الأمريكية. أمريكا لم تزل القوة العسكرية العالمية الوحيدة، لم تزل الاقتصاد الأكبر والقوة الوحيدة التي تجمع بلادا أخرى. والسؤال هو: هل السياسة المحلية تتيح لأمريكا أن تلعب دور القيادة؟” بعد أربع سنوات من “أمريكا أولا”، هناك شكوك مبررة كما يقول إيفو دالدر.
وشأن الرئيس بوتين، لدى الرئيس شي جينبينج ما يزيد على محض شكوك.
قال إيان ستوري زميل معهد إيسياس يوسف إسحق السنغافوري إن ما يجري في أوكرانيا “لن يغير معتقدات الرئيس شي الأيديولوجية مقدار ذرة”.
وفي حين أن مقاومة الغزو الروسي قد توجه حساباته بشأن تايوان، فإنه ـ وهو أقوى رئيس للصين منذ عقود ـ يعتقد في نهاية المطاف بأن “العالم الغربي بقيادة أمريكا يأفل وأن الاستبدادية هي المستقبل. وفي حين يحتشد النظام الغربي دفاعا عن أوكرانيا، لن يرى هذا إلا بوصفه محض استثناء من القاعدة” ولكي يكون الأمر أكثر من ذلك فإن السياسة الأمريكية ـ في ما يذهب الكثيرون ـ لا بد أن تبرأ، وبسرعة.
وعلى قادة العالم أن يشرحوا قيمة المشاركة، مثلما فعل روزفلت قبل الحرب العالمية الثانية حسبما لاحظ مؤرخون ويعيدوا تنشيط الديمقراطية الأمريكية والمؤسسات الدولية التي لم تتغير بعد تغيرا حقيقيا أو توسع قدرتها للتعامل مع تحديات روسيا والصين.
في الوقت نفسه، على بلاد ديمقراطية أخرى أن تحمل مزيدا من العبء الدولي، بالمال والدفاع وجمع الحلفاء.
يتصور إيفو دادلر نظاما تشترك في قيادته اثنا عشر أو ثلاثة عشر من أكبر البلاد الديمقراطية في العالم “وتكون الولايات المتحدة الأولى ربما في هذه المجموعة، لكنها الأولى وسط أنداد”.
وصف مايكل فوليلوف ـ المدير التنفيذي لمعهد لوي في سيدني ومؤلف كتاب عن روزفلت ـ مثل هذا التجمع بأنه مجموعة تتقدم بموجبها بلاد مثل ألمانيا وأستراليا لتولي أدوار أكبر.
قال “لقد أدرك المستفيدون من النظام الدولي الليبرالي أنهم لا بد أن يكونوا من جملة حراسه”.
وكان ريان كروكر واحدا من الكثيرين الذين أوضحوا الرهان بأقسى التعبيرات إذ قال “لو خرجنا من أوكرانيا والحكاية هي أن الناتو الموحد تمكن مع أوربا الموحدة من مواجهة بوتين، فقد تحركنا إلى الأمام لكي نتعامل مع التحديات الحتمية من موقع الوحدة والقيادة الأمريكية”.
لكنه أضاف أنه إذا استولت روسيا على أغلب أوكرانيا أو عليها جميعا وبقي الرئيس بوتين في السلطة على رأس اقتصاد روسي مستقر إلى حد كبير “فمرحبا باللانظام العالمي الجديد”.
نيويورك تايمز
