بيروت، في 8 فبراير/ العمانية / يأتي كتاب “خطاب الوعي المؤسلب في الرواية
العربية” ضمن المشروع الذي تصدى له د.رامي أبو شهاب، معايناً خطاب ما بعد
الكولونيالية والدراسات الثقافية.
إذ يختبر أبو شهاب في كتابه الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ظاهرة
الوعي في الرواية العربية بوصفها صيغة من صيغ رؤية العالم، ولاسيّما تأمل الذات التي
تختبر منعطفاتها في إدراك الكينونة، وتموضعها في العالم.
يسعى الكتاب الذي يحمل عنوانًا فرعيًا هو (مقاربات في النقد الثقافي؛ ما بعد الكولونيالية،
النقد النسوي، والتاريخانية الجديدة)، إلى تبنّي قراءة موسَّعة في نماذج من السرد العربي
لكل من: توفيق الحكيم (عصفور من الشرق)، والطيب صالح (موسم الهجرة إلى
الشمال)، وعبد الرحمن منيف (الأشجار واغتيال مرزوق)، وغسان كنفاني (عائد إلى
حيفا)، والطاهر بن جلون (أعناب مركب العذاب)، وإبراهيم نصر الله (حرب الكلب
الثانية، وزمن الخيول البيضاء)، وجمال ناجي (موسم الحوريات)، وآسيا جبار (بوابة
الذكريات)، وحزامة حبايب (مخمل)، وإنعام كجه جي (النبيذة)، وطالب الرفاعي (
النجدي)، وسعود السنعوسي (ساق البامبو)، وعبد العزيز آل محمود (القرصان)، وأحمد
زين (فاكهة للغربان)، وعبد الوهّاب عيساوي (الديوان الإسبارطي)، ومحمد علوان (موت
صغير).
ويأتي ذلك – حسب المؤلف – من منطلق أن الرواية العربية “كانت حاضرة في تمثلاتها
للواقع، والتاريخ، والأنا، والهوية، والاستعمار، والنسوية، ومعضلة الحداثة، بالإضافة
إلى السياقات الطارئة على المستويين السياسيّ والاجتماعيّ”. وبناء على ذلك، فإن اختيار
الأعمال الأدبيّة المدروسة “خضع إلى رغبة في اختبار المنظورات النقدية ضمن سياق ما
بعد البنيوية بهدف إعادة قراءة الرواية العربية بدءًا من منتصف القرن العشرين إلى يومنا
هذا، ولاسيّما صيغة الوعي التي تتصل برؤية العالم، وتمظهرها خطابيًا”.
وتتسع هذه المقاربات للعديد من المتون السردية التي تنتمي إلى قطاعات جغرافية
مختلفة من العالم العربي، وبخاصة تمثل الوعي الكامن في هذه المتون؛ إذ تُحضر
مقولات الأيدولوجية، والتاريخ، والمتخيل، والنسوية، في هذه الأعمال – والتي تترصد في
تعددها وتنوعها – القبضَ على مقاصد الوعي الممتد لعقود طويلة من الكتابة السردية
العربية.
ويتصدر الكتابَ فصلٌ إشكاليٌّ في تكوينه وصيغته، بالإضافة إلى منهجيّته، كونه يندفع
إلى قراءة جزء من المشهد السرديّ العربيّ ضمن مقاربةٍ أشبه بتبصرات نقدية تقترب من
وضعيّة منهجيّة أحيانًا، وفي بعض الأحيان تفارقها عن وعي أو قصد؛ رغبةً في التخفف
من النموذج الأداتي نحو أنموذج أشد التصاقًا بالنص وروحه في حدود المتعالية
المنهجية، ولكن دون استلاب لنبض النص وفيضه الدلالي، فالنص كما يرى المؤلف، “
يحتفي بمقصدية يوليها الكتاب الأهميةَ الكبرى – في حدود الممارسة الفنيّة – ولهذا يهدف
إلى أن يُبقيَ الباحثَ على فاعلية النص، مع الحرص على ألّا تطغى الاقتحامات المنهجية
على النص، وتسلبه كينونته التي ربّما تتوارى خلف الرغبات الأكاديمية التي تجعل من
النص الأدبي مجالًا للتدليل على الفاعلية الأداتية، ما يدفع إلى طمس مقصديته التي تتعالق
مع العالم بوصفها رؤية له”.
ينشغل الكتاب في سياق تكوين الرواية بالقلق من حيث رؤاها، وتقاطعها مع السياقات
الثقافية المتحولة، فضلاً عن تعالقها مع النقد بوصفه محاولة للإدراك، ولكن ذلك يأتي
مسبوقًا بمحاولة البحث في “رؤية العالم” انطلاقاً من تمهيد يضطر للاستعانة بالخبرات
الفلسفيّة التي تتصل ببناء أو تشييد الصيغ الخاصة التي تتصل بهذه الرؤية، وتقاطعها مع
الحدث، في حين أنّ مركزَه الوعيُ الذي لا يعني بأية حال من الأحوال صيغةً مجلوبةً من
الخارج بمقدار ما يعني اندغام الوعي ببيان تموضع الشخصية العربية (القلقة) في
احتكاكها مع الإشكاليات التي تتصل بعلاقتها مع الماضي، والتاريخ، والهيمنة والسلطة،
والآخر.
وهذه الصيغ ما تزال تعيد تشكيل المشهد السردي العربي، ويقول المؤلف في ذلك: “إننا
نكاد لا نرى تحولاً بارزَ الانعطاف أو العمق نحو صيغ سردية جديدة على المستوى
الفني، ولا سيما على مستوى التشكيلات التي تتخفف من أنماط السرد التقليدي – الآمن
إلى حد ما – في حين أن مستويات الرؤية بدت قلقة حيث ما زالت الشخصية العربية
تعاني من إشكاليات تبدو تاريخية؛ على الرغم من مضي قرن على انطلاق أول رواية
عربية”.
ويوضح أبو شهاب هذه المسألة بقوله: “الهوية النسوية ما زالت معرضة للاستلاب، فضلاً
عن مواجهة صيغ العُنف الذي يطال التكوين الداخلي كما الجسد، في حين أن الاستعمار
ما زال يصوغ هويتنا التي تآكلت بفعل التفوق الحضاري للآخر، في حين أن الذاكرة ما
زالت تستعاد سرديًا، ولاسيما العلاقة التي حكمت الشخصية العربية عبر نتاج التجربة
الاستعمارية”.
ومن ناحية أخرى، يرى المؤلف أن المنعطفات التاريخية (كالنكبة والنكسة) ما انفكّت
تحضر في تشكيل الوعي العربي عامة، والفلسطيني خاصة. كما يرصد الكتاب بعض
الانبعاثات لقضايا تتعلق باضطراب الوعي العربي نتيجة الأزمات التي نتجت بفعل
الإرهاب، وتداعيات هذا على مشهدية الثقافة العربية بصيغتها الجديدة.
ويوضح أبو شهاب أن مفهوم الوعي في المتخيل الأدبي يتعلق بقدرتنا على أن ننظر إلى
النص بوصفه يحتمل مستويين من الوعي، وهو هنا لا يريد الانسياق إلى التوصيف
الأفلاطوني حول ظاهرة الأشياء وحقيقتها، ولكنه يبدو معنيًّا بالنص بوصفه تشكيلًا
خطابيًّا يمتد لنموذج مرجعيّ يُعنى بتكوين العالم، ففي النص “يتخذ هذا العالم وعيَ النص
المُتخيّل كما يحتشد بالدلالات”. ومن هنا، فإن هناك وعيين: “وعي التأويل للعالم أو
وإدراكه، والوعي الآخر لفهم الصيغة الناشئة من لدن القارئ الذي يمارس التأويل في
مرحلة ثانية، كما يسعى في الآن نفسه إلى التوصل إلى حقيقة هذا العالم المعاين من قبل
الروائي أو الكاتب، أو المبدع عامة، وكلاهما من منطلق التجربة”.
ويتكون هذا الكتاب من ستة فصول تعنى برصد تمثلات الوعي العربي ضمن مستويات
نقدية تحتفي بعناوين ترسم ملمح التوجه النقدي الذي يتصل بإعادة تركيب المتون
السردية في إطار يُمثُّل أنموذج الرؤية الناتجة عن تشكل الوعي المؤسلب (نقدياً).
يقول أبو شهاب في هذا الجانب: “إن معظم التيارات النقدية التي شاعت في الغرب كانت
تنطلق من فهم للظواهر الاجتماعية في تقاطعها مع السياقات، أيْ أنها لم تكن غايات بحد
ذاتها، فالمقاربة اللغوية التي شاعت في الغرب بحثًا عن تحقيق أدبية الأدب، أو الوصول
إلى علم الأدب – على سبيل المثال – كانت تنطلق من الرغبة بنبذ الأيدولوجيات بعد
حربين عالميتين، والبحث عن صيغة يقينية لفهم الأدب بوصفها فعلاً نسقياً لا يتعرض
لعوامل خارجية، وعليه فإنه يمكن أن نتمثله في ظل صراعات تطال النزعات الفردية
والإنسانوية والنزعات المجتمعية الناقدة ممثلة بتيارات ماركسية، وتاريخية، ومدرسة
فرانكفورت، وغيرها، أيْ أنها بالمحصلة تفسيرات ورؤى تشتبك مع مكون فكري عميق،
لا غايات بذاتها”.
ويستدرك أبو شهاب بالقول: “غير أن التلقي العربي لهذه التيارات، لم ينتج أفكارًا؛ لأنه
تعامل معها بصورتها السكونية، لا الدينامية، بل إنها في معظم الأحيان قد غرقت في
التّصور اللغوي الذي بدا لها أنموذجًا أو خروجًا عن الاشتغال بالأفكار؛ فهذه المقاربة
على الرغم من أنها كانت موقفًا فكريًا إلا أنها في النقد العربي بدت حلًّا للتحرر من
الأفكار والانهماك بدراسات وأبحاث لم تحدث وعيًا في العقل العربيّ الذي بدا في تبنيه
للنموذج اللغوي، أقرب إلى ممارسة هوس كامن في الماضي، فمن السهولة بمكان أن تتبع
البنى والأنساق والتقابلات والتكرار، وغير ذلك بعيداً عن أيّ إرهاص فكري”.
يشار إلى أن أبو شهاب أصدر كتباً عدة من بينها: “الرّسيس والمخاتلة… خطاب ما بعد
الكولونيالية في النقد العربي المعاصر” الذي نال جائزة الشيخ زايد للكتاب (2014)،
و”في الممر الأخير.. سردية الشتات الفلسطيني من منظور ما بعد كولونيالي” (2017)،
و”الأنوات المشوّهة.. مقاربات في التنوير والمعرفة واللغة” (2019). وله مجموعتان
شعريتان هما: “عدتُ يا سادتي بعد موتٍ قصير” (2007)، و”أما أنا فلست من طين”
(2019).
/العمانية / 174
