قراءة في إبداع الشاعر العماني حمد الحكماني

الشاعر/حمد الحكماني والإبداع المتواصل(قراءة نقدية بقلم عبدالله بن سعود الحكماني).

ظهر الشاعر حمد الحكماني في ساحة الشعر الشعبي العماني قبل عشر سنوات من الآن ومنذ ظهوره لأول مرة إلى كتابة هذا المقال وهو يواصل إبداعه عاماً وراء عام.
وحسب علمي أن اول نص له كان في مسابقة إبداعات شبابية وحصل من خلاله على المركز الأول على مستوى نادي الوسطى ثم توالت مشاركاته في المسابقات الشعرية وحصوله على مراكز متقدمة بها كالمركز الأول في مسابقة أدب الإبل على مستوى السلطنة وغيرها كثر وكانت آخر مشاركة له قبل بضعة أشهر حيث تأهل ضمن (١٥) شاعراً في جائزة كتارا لشاعر الرسول بدولة قطر على مستوى الخليج والوطن العربي.
هذا في جانب المسابقات أما مشاركاته الأخرى في الأمسيات والفعاليات الشعرية والنشر الإلكتروني فلا تزال من توهّج إلى توهّج وقد نالت الإعجاب من الكثير ممن يتابعونه ولمن لم يتابعه فالشاعر له تواجد جيد على منصات التواصل الاجتماعي وبالإمكان متابعته ومعرفة ما يكتبه عن قرب.
لذلك من خلال متابعتي الدقيقة لمسيرة الشاعر أرى بأنه من الأسماء الشعرية العمانية التي تستحق أن تقف أقلام النقاد عندها.
ومن خلال قراءتي لجميع نصوصه تقريبا لاحظت تكامل الجوانب الفنية لديه سواء من حيث اللغة لفظاً ومعنىً وتعبيراً او من حيث الصور الشعرية أو غير ذلك من جوانب فنية تستحق الوقوف عليها وفي عجالة سأحاول أن أقف على بعض منها هنا.
أولا: اللغة:
لا يخفى على قراء الأدب شعرا ونثرا بأن اللغة هي حجر الأساس له اي الأدب وما الادب إلا ذلك النسيج اللغوي الذي ينسجه الشاعر أو الكاتب ويملأه بما يجيش بداخله من عاطفة أو ما يجول بعقله من فكر أو الاثنين معا.
فاللغة التي يكتب بها حمد تمتاز بقوة المعنى وجزالة اللفظ وحسن التعبير مع سهولتها في الوصول إلى المتلقي بغض النظر عن مستواه الثقافي والعمري والاجتماعي.
وندلل بما قاله في أحد نصوصه الجميلة لغة:

(صحيح جرحي غزير وأمنياتي حطام
وصحيح فكري مشتت والحظوظ ْعقبا

لكن ربك كريم ابمدته للأنام
حتى ولو أن الشقا واصل حدود الزبا).

فنلاحظ من خلال البيتين السابقين أن اللغة في متناول الجميع فلاتحتاج إلى بذل جهد من المتلقي في فهمها وبالمقابل لم تكن بالركيكة التي لا تشد المتلقي ولا تروي ظمأه ومن هنا جاء حكمنا على تمكّن الشاعر من اللغة في نصوصه.
كما أن الشاعر مثله مثل مجموعة كبيرة من الشعراء المعاصرين الذي نهلوا مفرداتهم من معجمين:(اللغة العربية الفصحى، اللهجة العامية المحلية للشاعر).
وهذا سنراه في هذين البيتين حيث يقول:

( ذابت الأحلام في لون الشفق
وابتدأ قلبي مسيرة ألف ويل

والنهار اللي به آلامي طفق
يعطي أعلام القيادة جنح ليل).

ففي البيتين السابقين حوالي(٢٠) مفردة مصدرها من الفصحى والعامية معا وجاءت بهكذا خلطة مما ساعد النص على الوصول إلى المتلقي بمختلف أطيافه.
وهذه الصياغة في مجاورة المفردة الفصيحة بالعامية سيجدها المتتبع لنصوص الشاعر في معظم نصوصه وبالإمكان أن نقول عنه بأنه يكتب بلغة المثقفين أو اللغة البيضاء كما يسميها البعض.
ولم تقف قدرات الشاعر اللغوية عند ما سبق ذكره بل تتجاوز ذلك إلى قدرته على التلاعب بالألفاظ وكذلك توظيف المحسنات البديعية كالجناس والطباق بطريقة ذكية حيث لا تخرج عن الطبع إلى التكلّف.
فيقول مثلا متلاعبا بالكلمات:(محوت دار الحيّ يا حيّ حيّها) ويقول:(ما يجهلونك بس يتجاهلونك).
وبالنسبة للطباق فيقول:(الناس بالاطباع في كثره وقل/منهم سما والبعض عندك ودونك) ف(كثره وقل )طباق لكن المفردات فصيحة بينما (سما،عندك ودونك) أيضا طباق لكنه اخذها من اللهجة المحلية.
وقس على ذلك الكثير من الأبيات التي تدل على التمكّن اللغوي للشاعر.
ثانياً:الصورة الشعرية:
كذلك حين نتتبع نصوص الشاعر نجد أن أغلبها يقوم على التصوير وهذا ما جعل الكثير من نصوصه المشاركة في المسابقات تحصد المراكز المتقدمة لكون التوجّه الحالي في مقاييس الشعر النبطي يقوم على قدرة الشاعر في تكثيف الصور الشعرية وهي نقلة نوعيّة في مجال الشعر النبطي استمدها كتّابه ونقّاده من الشعر الفصيح المعاصر أو بالاحرى من النقد الأدبي الحديث.
فمثلا في نصه الفائز بالمركز الأول على مستوى السلطنة بجائزة أدب الإبل نلاحظ تزاحم الصور الشعرية من اول الأبيات إلى آخرها ونذكر بعضا منها هنا:(يوم اتّموّج في رمال الصحاري/مثل الجواري فالبحر كنّها أعلام)، وهذه الصورة فيها تشبيه الناقة وهي في الصحراء بالجواري في البحر وربما يشير في ذلك إلى ما يقال عن الناقة بأنها(سفينة الصحراء) ولكنه لم يأتِ بها بطريقة مباشرة بل اختار أن يجعلها في هذه الصورة البديعة.
ونأخذ بيتا آخرا من نفس النص حيث يقول:(تفرش هدبها للهبوب المداري/وتعطي قدمها دربها شوق وهيام) فهنا صورة أخرى جميلة حيث شبّه أهداب عين الناقة بالفراش والكل يعلم ما تمتاز به اهداب الإبل من قوة أمام الرياح وفي ذلك مديح للناقة ولكن بطريقة غير مباشرة أيضا ومن هنا تتجلى قدرة الشاعر على التصوير الشعري.
ويقول في نص آخر:(مدّي ايدين الوفاء يا بنت مدّي/وصافحي قلبي بلطفك يا ضماده) ونلاحظ هنا:(يدين الوفاء،،صافحي قلبي، يا ضماده) جميعها مجازات اختارها الشاعر حتى لا يقع في المباشرة.
وقس على ذلك الكثير من الصور الشعرية المبتكرة في هذين النصين ومختلف نصوص الشاعر كما أن مصادر الصورة لديه أغلبها من الواقع الذي يعيشه والمحيط البيئي الذي ينتمي إليه كالصحراء والبحر وتفاصيل الحياة الاجتماعية من حوله.
ثالثاً:(المواضيع الشعرية):
يعد النقاد قديما من يكتب في مواضيع شعرية متعددة أقوى شعرا ممن يكتب في مواضيع معدودة وبما أني أميل إلى هذا الرأي الأدبي فأعد الشاعر حمد الحكماني من الشعراء المبدعين لكونه طرق العديد من المواضيع الشعرية فمن الغزل إلى الحكمة ومن الشعر الوطني إلى الشعر الاجتماعي ومن الفخر إلى الوصف و نصوصه خير شاهد على ذلك:
ومن نص له في المديح النبوي الذي أهّله بجائزة كتارا بدولة قطر يقول:

(رسول الله أحبابه ذبحهم عليه ْهيام
وكلٌّ يريد يطهّر ابمدحه لسانه

على سيرته وقّفت واشمّ نفح ْخزام
وغذّيت روحي صدق وإخلاص وامانه)

ويقول في نص آخر تحدّث فيه عن موطنه محوت قرىً وقبائلاً وماضياً وحاضراً :(هذا المساء أجمل مساء وسط ديرتي/ لي الله اوهبها من أجزل وهايبه/سكّانها من أهلهم وارثينها/وحامينها يوم الزمان ونوائبه).
وفي موضوع الحكمة أحفظ له بيتاً اردده بيني وبيني منذ سنوات يقول فيه:(ما دامها الدنيا صراع و ضجّه/ادخل على الضجّه و قوم وصارع).
وله في كل موضوع مجموعة من الأبيات تنافس بعضها في الروعة والجمال.
رابعا:الأوزان والقوافي:
أ/الاوزان:من خلال اطّلاعي على جميع نصوص الشاعر عرفت أنه لم يترك بحرا من بحور الشعر المعروفة إلا وطرقه، الطويل منها والقصير والمطروق بكثرة والنادر ولنأخذ بعضا من الأمثلة عليها حيث يقول من المسحوب:(طلّة جبينك من دواعي سروري/هل كيف لو صوبي تسير اخطواتك/أنا فقيرك يا ظلامي و نوري/يللي من الفتنه ولا شيّ فاتك).
ويقول على بحر الهلالي وهو من البحور الصعبة في وقتنا الحالي وإن كانت قديما مستهلكة مع شعراء النبطي:(عند الغروب وتوّها الشمس ذايبه/ولون الشفق يرسم بعيني عجايبه/حسيت روحي في سما العز حلّقت/والسعد في قلبي يناثر سحايبه).
ويقول من الهجيني الطويل 🙁 حتّى بدأ يشتعل بيني وبيني خصام/يحرق ورود الأمان بكل نبت الربا/يأخذني الحاضر المفعم أمل للامام/ ويردّني الماضي اللي فيه ياسه ربا).
والأمثلة كثيرة على طرقه لمختلف البحور ومن الممكن الرجوع إلى مدونته الشعرية.
ب/القوافي: بالنسبة للقوافي لو تحدثنا عنها في علم العروض الفصيح فسيكون حديثنا مختلف عن حديثنا في المتعارف عليه بالشعر النبطي لذا سنتحدث هنا عن القافية في المتعارف عليه مع جمهور النبطي.
ينظر المتلقّي للقافية في الشعر النبطي من حيث قدرة الشاعر على الالتزام بالحروف في كل بيت بالنسبة للقصيدة ذات القافية الواحدة أو كل شطر بالنسبة للقصيدة ذات القافيتين وسهولة أو صعوبة هذه الحروف.
فنلاحظ شاعرنا كتب مجموعة من نصوصه على القوافي ذات الحروف الصعبة و زاد على ذلك التزامه احيانا بأكثر من حرف في أواخر الأبيات أو الاشطر وهو ما يسمى في الأدب العربي القديم ب(لزوم ما لا يلزم) وقد اشتهر به بعض شعراء العرب القدامى أبرزهم ابو العلاء المعرّي.
وأمثلة ذلك من شعر شاعرنا حين يقول في أحد نصوصه:(ريض بأرض الله تعالى يا صغير العقل ريض/لا تحَسْب انك تنال الفوز بأي امجابهه/ما كسبت إلا سواد الوجه يالوجه البغيض/وما خسرت الا علوم الطيب أو ما شابهه).
فجاءت القافية بالضاد في الشطر الأول والهاء في الشطر الثاني ولكنه لم يكتفِ بحرف واحد فقط بل ألزم نفسه بحرفين آخرين قبل الضاد كما نرى في(ريض،بغيض)وفي الشطر الثاني لم يكتفِ بالهاء بل ألزم نفسه ثلاثة أحرف قبلها كما نرى في(مجابهه،شابهه)حيث جاءت القافية بالألف والباء والهاء الأولى ثم الثانية أو الأخيرة وهكذا ستكون القافية من أربعة أحرف.
وله على هذا النهج الكثير من النصوص وهي الدليل القطعي على التمكّن الشعري.
خامساً:الثقافة العامة:
بالنسبة للثقافة العامة فنستطيع أن نقول بأن الشاعر لديه ثقافة عالية ويتمثّل ذلك في لغته أولا وفي معرفته بالاوزان والقوافي والمواضيع الشعرية ومواكبة التجديد الشعري كاهتمامه بالصورة الشعرية وغير ذلك مما يخص الشعر وكذلك توظيفه لبعض من المعارف والمعلومات العامة التي تجدها متناثرة بين نصوصه كتوظيف الشخصيات المشهورة عربيا وعالميا من طرفه الشاعر االعربي الجاهلي إلى هتلر القائد الألماني ومن بتهوفن إلى صدام وغيرهم ولا تقف الأمثلة على ثقافته هنا بل تتمثل أيضا من خلال اقتباساته وتضمينه من القرآن الكريم والحديث الشريف والحكم والأمثال والشعر الفصيح و النبطي وكل هذا يدل على أن الشاعر يمتلك ثقافة عامة يستمد منها قوّته للإبداع الشعري.
في الختام رغم إعجابي الشديد بالشاعر وتسجيل إعجابي في هذا المقال العابر تمنيت أن أراه يتوغّل أكثر في التجديد شكلا ومضموناً كأن يكتب النص التفعيلي شكلا والنص الغامض مضموناً أو ما يسمى بالرمزي في الساحة الشعبية وأنا على علم بأنه متابع فوق الجيد للحداثة الشعرية ويسعى من أجل أن يصل إلى أرفع مستوى فني في الشعر. والحداثة أحد أبواب ما يطمح إليه.
ولا يفوتني أن أكتب توصية هنا بأن يوثّق لنا الشاعر تجربته الشعرية ما بين دفتي كتاب مطبوع لكون الكتاب أطول عمراً من السوشلميديا.
علما بأني قد قرأت سابقا لشعراء مبدعين من السلطنة وبإذن الله لم تتوقّف قراءتي عند الشاعر حمد بل هناك أسماء شعرية تستحق القراءة وعسى أن يسعفنا الوقت للاطلاع على جميل إبداعهم.

عبد الله بن سعود الحكماني

١٥/مارس/٢٠٢٢م

زر الذهاب إلى الأعلى