قوى متعددة وفي اتجاهاتٍ مختلفة باتت تشع في سماء عالمنا، حيث تتنوع مصادر هذه القوى ومجالاتها وقوة تأثيرها، معتمدة على مدى استغلال الأمم والدول لها كأداة فاعلة في الشؤون الثقافية والحضارية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية وغيرها من الركائز المهمة.
ولعل واحدة من أبرز هذه القوى «قوة المتاحف» التي ما لبثت هاتان الكلمتان تشكلان هذا العام شعاراً تحتفي به دول العالم في اليوم العالمي للمتاحف والذي يصادف الثامن عشر من مايو من كل عام، وإذ يشكل هذا الاحتفاء السنوي بالمتاحف امتداداً للاحتفاء الأول المٌنطلق في العام 1977م، ويأتي ذلك تتويجاً لدور المتاحف وتذكيراً بأهميتها، إضافة ً إلى خلق مساحة سنوية رحبة لتوحيد الجهود ومناقشة المتغيرات والثوابت المتعلقة بالمتاحف وما يتصل بها، وبحث سُبل تطويرها وتعزيز قوة تأثيرها وصمودها لأداء أدوارها في ظل المستجدات. جدير بالذكر أن هذا الحراك والاحتفاء السنوي يقودهُ المجلس الدولي للمتاحف (ايكوم) بأذرعته المتفرعة في دول العالم منها المنظمة العربية للمتاحف ولجانها الفرعية في العالم العربي.
وليس بعيداً عن سلطنة عُمان بمتاحفها التي تحتضن بين أروقتها مرآةً للتراث المادي وغير المادي بمنجزه الحضاري وتاريخه التليد ورسالته الإنسانية والتعليمية وملامح الثقافة العمانية وهويتها الوطنية، وعلاقاتها التجارية والدبلوماسية ومتانة جسور السلام لعمان الأبية مع العالم أجمع. حيث لم تختزل مرآة المتاحف دوراً تقليدياً في حفظ وصون وعرض تاريخ وماضي الأمم بل عكست صوراً أخرى تواكب العولمة وجمعت قوى ناعمة تشع في وجوه الزوار والمهتمين بها داخلياً وخارجياً.
نعم، إن صح القول فهي قوى ناعمة تبعث أشعتها بسلاسة تامة مُجتمعةً مع كافة القوى الذكية للدولة عبر منصة ثقافية دبلوماسية. فعن نتاج تجربة مثمرة بين أروقة متاحف سلطنة عمان طالما تبادر إلى ذهني مصطلح «القوة الناعمة» للكاتب الأمريكي والمُنَظَّر السياسي جوزيف ناي والذي اعتبر هذه القوى «وسيلة النجاح في السياسات الدولية، باعتبارها سلاحٌ مؤثر يحقق الأهداف عن طريق الجاذبية كيفما أستخدمت أساليبها ببراعة، وقد أوضح دور الثقافة في انتاج هذا النوع من القوة وأهميته في الاستراتيجية الدولية الحديثة».
وإذ مكّن العمل في السياق المتحفي وعلى صعيدٍ شخصي من مواءمة التنظير المتصل بالقوة الناعمة مع واقع التجربة المتحفية في سلطنة عُمان واستنتاج مدى توافق ذلك مع الأحداث والمواقف والأشخاص ومن ثم أوراق العمل في دول مختلفة. وإذا ما أخذنا بعض النماذج من المتاحف العمانية الحكومية والخاصة نجد الخطاب المتحفي حاضرا بقوته الناعمة، فعلى سبيل المثال لم يكن المتحف العماني الفرنسي أو بيت فرنسا مجرد مكان يضم مقتنيات متحفية لعرضها للزوار أو مكانا لعرض قائمة القناصل الفرنسيين الذين عاشوا في مسقط سفراءً لفرنسا فحسب بل كل زوايا بيت فرنسا تبعث شعاعاً يحكي تاريخا دبلوماسيا وثقافيا طويلا بين عمان وفرنسا مرورا بالأحداث العالمية وصراعات القوى الاقتصادية والسياسية وما تزامن معها من مراسلات تاريخية ومذكرات دبلوماسية عن عمان وقوتها وملامح الحياة فيها يتيح لأجيال الدول قراءته والاستفادة من تفاصيله في فهم احداث العالم اليوم ، وصولا الى عام 1989 في عهد السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- وتحويل هذا البيت الى متحف يجسد عمق العلاقات العمانية الفرنسية وما أثمر به من أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتعليمية بين الدولتين، فالمتحاور مع المواطنيين الأوروبيين خاصة الفرنسيين الزائرين لهذا المتحف أو الطلبة والباحثين عن حقائق علمية والأكاديميين أو أولئك الدبلوماسيين سواء كانوا في احرامات هذا المتحف أو في سفاراتهم يمكن أن يعِ أثر الرسالة المتحفية التي يخاطب بها المتحف العماني الفرنسي العالم حوله. ولم تقف قوة هذا المتحف بفتح نافذة على الماضي بل مازالت نافذة مشرقة تطل على مستقبل العلاقات الدولية من جهة وعلى قوة التراث اللامادي لهذا المتحف من جهة أخرى باعتبارها محل اعجاب ونقطة جذب للكثيرين حيث القيمة الجمالية باعتبارها تراثا ثقافيا متفردا ونموذجا معماريا فريدا تتزين به البيوت القديمة في مسقط مازال يجسدها شموخ وأناقة البناء في المتحف العماني الفرنسي باعثا خطابا ثقافيا آخر يجتمع مع القوى الناعمة لهذا المتحف.
وانتقالا الى متحف بيت الزبير كنموذج لأحد أبرز المتاحف الخاصة، حيث هو الآخر لم يقف عند حدود حفظ وعرض المقتنيات المرتبطة بسلطنة عمان وتاريخها وتقاليدها أو المجموعات الاثنوغرافية المتوارثة في المجتمع العماني بل أثبت قوته أيضا كمؤسسة ثقافية واجتماعية جاذبة للثقافة والفنون والآداب والمهتمين بها، ولم يكن هذا المتحف -باعتباره خاصاً- في معزل عن الأهداف الاستراتيجية للدولة بل محركا اقتصاديا مهما للسياحة والثقافة والتراث معاَ، ومحطة خصبة للعابرين عبر السفن لاكتشاف ماض جميل وحاضر مشرق وبيئة مُصغرة للمتطلعين لمعرفة اساليب الحياة القديمة في عمان الكبيرة ومن ثم نهضتها الحديثة. حيث بيت النهضة والبيت العود وبيت الباغ وبيت الدلاليل تحكي قصصا وراء تسميتها بذلك بجانب أحد منارات الفن العماني والعالمي المعاصر «جاليري سارة» مُلقين جميعا من منبر «بيت الزبير» خطاباً متحفياً قوياً.
ويمكن أيضا أخذ المتحف الوطني بسلطنة عمان كنموذج عصري «لقوة المتاحف» في مقاربة تفصيلية لواقع قوة الخطاب المتحفي وانسجامه مع قوى مهمة للدول. إذ مكّن العمل في السياق ذاته من مواءمة ذلك لاسيما إبان تأسيس مشروع المتحف الوطني ومراحل تجهيزه وتطوير أساليب العرض المتحفي به وأنشطته المحلية والدولية، طيلة السنوات الماضية، حينما لم يكن اختزال الماضي والتاريخ العريق لسلطنة عمان في أروقة المتحف وعلى صناديق العرض المتحفي كافياً بل حرص العماني أن يكون سفيراً للرسالة الوطنية وأبعادها الدولية، بارعاً في استخدام مصادر القوى الناعمة واساليبها عبر التواصل والحوار مع آلاف العابرين والزائرين ومئات الوفود وأطياف وشرائح مختلفة من مجتمعات ودول العالم ، منهم رؤساء الدول والمنظمات والدبلوماسيون ورجال الأعمال والمثقفون والأدباء والمتخصصون في المجالات المختلفة والطلبة وذوو الاحتياجات الخاصة والصغار والكبار سناً وخبرةً، باختلاف جنسياتهم وأديانهم ولغاتهم ومعتقداتهم وتوجهاتهم إلا ان قوة ناعمة بعثت شعاعها ودعمت قناعاتهم تجاه عُمان وعززت رضاهم في نهجها في المجالات المختلفة. فكما يصفها جوزيف ناي ـ القوة الناعمة ـ أكبر من كونها تأثيرا وأشمل من كونها اقناعا بل المقدرة على الجاذبية التي تؤدي على الأغلب الى حالة الرضا.
وهذا ما ظهر جلياً على أفكار وردود وسلوكيات العابرين والزائرين وأغلب شرائح المجتمعات المحلية والدولية. فلم يكن العبور من قاعة الأرض والانسان بالمتحف الوطني عبوراً بدون المرور على مرآة تعكس ملامح الثقافة العمانية والهوية الوطنية ومدى ارتباط الإنسان العماني بأرض عمان الطيبة وكيف أثرت البيئات المختلفة على صناعاته الحرفية وأدواته مستغلا موارد الطبيعة حوله ومدى قوة منجزه الحضاري وبراعة هندسة البناء المعماري بقاعة المنجز الحضاري وتفوق طرق استخراج المياه وعبقرية أنظمة الري القديمة بقاعة الأفلاج وبريق العلاقات التجارية لعمان مع الحضارات يلمع على النقود بقاعة العملات وعلى تناغم القوة البحرية واصوات الجرار والبضائع والتجار سالكين طريق الحرير بقاعة التاريخ البحري مع دوي المدافع وصليل السيوف والقوة العسكرية وأدواتها الدفاعية بقاعة السلاح وسط شموخ حصن الحزم الذي يحكي قوة عمان الدفاعية، ولم يكن التدرج في قاعة الحقب الزمنية تدرجاً بلا مغزى، هناك حيث يصل بالزائر الى عصور ما قبل التاريخ وعبق اللبان العماني وأسفاره من ظفار إلى حضارات وأديان مختلفة عبر سفن ماجان برفقة أطنان النحاس حيث العصر البرونزي وقوى عمان الاقتصادية لامعة في وجه الحضارات، وصولاً الى قاعة عظمة الإسلام وتسامح وتعايش الأديان في أرض عمان، ومكانة المرأة التي لم يقف الإسلام عائقاً في دروب حقوقها وانجازاتها، هناك حيث تشع القوى الناعمة من كل زاوية لتظهر قوة النموذج العماني وجاذبية ثقافته وسمو قيمه ومبادئه، وهنا حيث امتلاك الخصائص التي تجعل الآخرين يتطلعون للسمو والامتياز. قوة ناعمة وتجربة مشرقة حيث لم يكن عبور آلاف الوفود من قاعة عمان والعالم بعيداً عن رؤية جسور السلام والدبلوماسية العمانية مع دول العالم. وقد كانت أحداث عالمية متزامنة مع الخلافات والمتغيرات في علاقات دولاً بأخرى غير أن المتاحف أثبتت أنها أداة دبلوماسية واساس للتواصل وتقريب وجهات النظر السياسية ومواجهة تحديات العلاقات الدولية. من جانب آخر تشرق قوة العلاقات العمانية الضاربة في القدم مع قوى عالمية متعددة الأقطاب -بقاعة عمان والعالم- فالمرور على نموذج السفينة سلطانة والعلاقات الدبلوماسية العمانية مع الولايات المتحدة الأمريكية بابتعاثها أول سفير عربي في العام 1840م، يؤكد للعالم طول الخبرة الدبلوماسية العمانية منذ مئات السنين، وليس بعيدا عن القوى العالمية وأواصر الصداقة عبر التاريخ وما تضمنته رسالة السلطان سليمان القانوني لقائد الاسطول العثماني حول مساندة الأسطول العماني إبان التواجد البرتغالي في سواحل عمان، فللعابرين أن يروا تجربة مخضرمة لكيان سياسي يتسم بالنضوج، ولنا أن نلاحظ تأثير هذا الخطاب المتحفي تأثيرا إيجابيا بامتياز على قناعات وتوجهات شخصيات وكيانات مختلفة ، اذ لم يزل من المسلمات لدي وبعد كل حوار مع شخصيات وشرائح مختلفة وتحت مظلة السياق المتحفي ان للمتاحف قدرة في احداث تغيرات إيجابية في المجتمعات والمرتكزات الأساسية للدول، فعلى زاوية أخرى -من قاعة عمان والعالم- تكمن قوة ناعمة لملامح الثقافة العمانية في سواحل افريقيا وبصمة التواجد العماني في زنجبار والنهضة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي شيدها العمانيون، اذ لم تنتهي بصمة ذلك التواجد بانتهاء حكم العرب العمانيين في العام 1964 بعد حكم وتواجد مثمر امتد لـ200 عام بل مازال شذى القرنفل ينقل البصمة العمانية لأرجاء قارات العالم.
وعلى أضواء قوة ناعمة متفردة تضيء قاعة عصر النهضة يقف الزائر والدبلوماسي والتاجر والعابر وكل انسان من أرجاء الأرض قاطبة ليرى قبسا منيرا أنار نهضة عمان وأرسى دعائم السلام في العالم، كم كان ولا يزال الأثر كبيرا وفضول الكثيرين منجذب نحو معرفة تفاصيل هذه النهضة بقيادة قائدها المغفور له السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- والذي لن توفي أسطر هذا المقال للخوض في مآثره ولن يكفي عرض تفاصيل الركن الحديث المخصص له بالمتحف الوطني حيث أرى في كل ركن من عُمان له بصمة، ولطالما كان واضحا مدى تأثير نهجه وشخصيته ودولته على الكثيرين واعجابهم بما يتصل به. إذا هي قوة كامنة «قوة المتاحف» تجعل خطابها مفتوحا على كل الاتجاهات منسابا في كل التفاصيل حتى عبر التراث الغير محسوس بقاعة التراث اللامادي التي تجسد العادات والتقاليد والأكلات والألعاب الشعبية والفنون التقليدية، جميعها مصادر قوة مؤثرة. جدير بالذكر إن هذه القوى لم تكن حبيسة أروقة المتاحف المحلية في عمان بل تجاوزت الحدود الجغرافية الى بلدان العالم عبر إقامة وتبادل المعارض الدولية والمتاحف المتنقلة والأنشطة الثقافية وتوسيع نطاق مذكرات التفاهم في هذا المجال تطلعا لتمكين أكثر قوة وصمود في وجه المستجدات، إضافة الى اجتهاد المخلصين في الأخذ بالأساليب المتنوعة لاستخدام هذه القوى في الخارج والداخل عبر تنفيذ وعرض أوراق أعمالهم التي تبرز ملامح عمان الحضارية والثقافية مستخدمين نطاق واسع من الأدوات لدعم استراتيجية ناجحة بكل المقاييس ، ركائزها استخدام أساليب وموارد متنوعة في إيصال الرسائل النبيلة والأهداف المرجوة الى المجتمعات وخلق تفاعل بناء معها.
فالمتاحف وجهة جاذبة وقوة ضاربة ثقافيا وسياسيا واجتماعيا لأي دولة وقوة دعم للحكومات في جهودها للتواصل مع المجتمعات الخارجية والداخلية، بجانب كونها قوة اقتصادية يعول عليها سياحيا بتنويع ورفد مصادر الدخل للدولة.
وعماننا بكنوزها وملامحها تشكل متحفا مفتوحا يعول على أبنائه أن يظلوا سفراء له ولرسالته وأن يحسنوا استغلال القوى المتنوعة التي وهبها له الخالق.
ندى الشكيلية باحثة متخصصة في الشأن المتحفي
