ضيف كريم قادم

تتوالى الأشهر الهجرية الواحد تلو الآخر دون أن نحس بها، وأكاد أجزم أن كثيرا من أبنائنا لا يستطيع أن يذكر أسماءها، عوضا عن البطولات والأحداث التاريخية التي حدثت فيها، بالرغم من أهميتها الدينية والروحية لنا كمسلمين. 

والطريف في الأمر أننا نتذكر ويذكر بعضنا البعض بالشهر الهجري الذي به إجازة، ونكون في غاية الفرح والسرور بها لا بالحدث العظيم الذي وجدت من أجله.

أقول هذا ونحن نتفيء نفحات شهر رمضان الكريم، حيث يكون لساعات الليل والنهار قدسية تفوق باقي الأيام، ننقل فيها الروح من عبادة لأخرى موعودين من قبل الكريم المنان بمضاعفة الأجور والحسنات.

مع اقتراب الشهر الفضيل نعيد للذاكرة  أوراق العمر التي تساقطت  بين أيدينا، وما تحمله من صور زاخرة بعبق الذكريات، حيث كانت جلسة الاستعداد لوقت الإفطار تمتلئ دفئا عائليا يندر حدوثه في سائر الأيام، نتحلق حول كبار السن  لنغترف من حكمة تجاربهم عبر السنين والأعوام.

إضافة إلى أن بعض حكاياتهم بما تحمله من طرافة ومبالغة (خاصة إذا بدأها الراوي بقوله: يقولك في سنة من السنين استوت سالفة عجيبة) تنسينا تعب الصيام خاصة إذا تحالف مع الصيف الحار، الذي تنزف فيه الحجارة عرقا من شدته، وتشعرنا بالأنس والمتعة في زمان لم يكن الهاتف النقال شيئا مذكورا، وتويتر وأصحابه لم تلدهم أمهاتهم بعد.

وعادة ما تستمر تلك الأحاديث إلى أن يرفع أذان المغرب عندها تتسابق الأيدي نحو المائدة العامرة مع الجملة الأولى للأذان (الله أكبر) يا لها من أيام  رحلت وأصبحت تتراءى لنا كالأحلام العذبة أو كأنها قصص من ألف ليلة وليلة.

شهر رمضان المبارك دون  بقية الشهورنحس فيه بالزمن وكأننا نسمع وقع خطاه، ونكون على موعد مع  الإيمان الجميل الشفيف الرهيف لنلحظه واقعا معاشا لدى الجميع، عند الكهل والشاب، وعند المرأة والرجل.

من لم يذق حلاوة الإيمان في رمضان فليس من السهل أن يجدها في بقية الشهور، فرمضان شهر عظيم أنزل فيه القرآن الكريم وبه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وهو شهر تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار وتصفد فيه الشياطين.
ويحرص كثير من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على  استغلال أيامه ولياليه، لتروى الأنفس العطشى من نفحاته الإيمانية بعدما أشغلتها متاهات الحياة عنها.

  يأتي شهر الغفران  ضيفا عابرا ثم يرحل فوجب  استغلاله أحسن الاستغلال فهو موسم يعرفه الصالحون والمتقون ولعلنا نكون منهم لنسمع في العشر الأواخر  دمدمات الوحي ونفوز بذلك فوزا عظيما.

بدر بن عبدالله الهادي   

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى