التشريع الجنائي الإسلامي.. ركن سرقة “أن يكون الشيء مملوكاً للغير”

تعتبر جريمة السرقة من أشهر وأقدم الجرائم الواقعة على الأموال، والسرقة لغةً هي”أخذ المال خفية”، أو بصورة غير شرعية، أما قانوناً فهي”إختلاس مال منقول مملوك للغير بنية تملكه”.

وكنا قد ذكرنا في المواضيع السابقة، أن السرقة فقهياً أنه يجب أن ينصب فعل الإختلاس أو الأخذ على مال وأن يكون هذا المال منقولاً وأن يكون مملوكاً للغير، فإذا توافرت الشروط السابقة في محل السرقة، وقام الجاني بأخذ هذا المال والإستيلاء عليه بدون رضاء صاحبه وهو ما يشكل قوام الركن المادي لهذه الجريمة، وكان الجاني عالماً حينها أنه يأخذ مالاً منقولاً مملوكاً لغيره بدون رضاء صاحبه واتجهت إرادته المعتبرة قانوناً إلى تحقيق النتيجة المرجوة من تمام الركن المادي، وهو ما يعرف بالركن المعنوي للجريمة، فإننا نكون أمام جريمة سرقة.

 وأضاف فقهاء القانون ركناً خاصاً بالإضافة إلى الأركان الثلاثة السابقة وهو “نية التملك”، حيث يذهب أصحاب هذا الإتجاه إلى أنه يجب الإكتفاء في قيام الركن المعنوي بالقصد العام وحده، وذلك أن الإختلاس لا يتحقق في -في ذاته- إلا إذا اقترن الشيء بنية التملك، وفي هذا المعنى ذهبت محكمة النقض المصرية أن من أركان جريمة السرقة أن يأخذ السارق الشيء بنية تملكه والمفروض أن من يختلس شيئاً فإنما ينتوي تملكه وتأكد هذا المعنى في حكم حديث للمحكمة جاء فيه حرفياً أن جريمة السرقة لا تتطلب لقيامها قصداً جنائياً خاصاً، بل يتوافر القصد الجنائي فيها بمجرد قيام العلم عند الجاني وقت إرتكاب الفعل بأنه يختلس المنقول المملوك للغير من غير رضاء مالكه بنية تملكه.

واستكمالاً لشرح هذه الجريمة وأبعادها، ننتقل إلى الركن الثالث، أن يكون مملوكاً للغير:

يشترط لوجود جريمة السرقة أن يكون الشيء المسروق مملوكاً لغير السارق، فإن كان مملوكاً للسارق فالفعل لا يعتبر سرقة ولو أخذه الفاعل خفية، والعبرة بملكية السارق للمسروق وقت السرقة، فإن كان يملكه قبل السرقة ثم خرج من ملكه قبيل السرقة فهو مسئول عن السرقة وعليه القطع، وإن لم يكن يملكه ولكن دخل في ملكه وقت السرقة فلا مسؤولية عليه كأن ورثه أثناء السرقة، ويشترط لانعدام المسؤولية أن يملكه قبل إخراجه من الحرز، فإن ملكه بعد إخراجه من الحرز فلا يعفيه ذلك من المسؤولية الجنائية، لأن الشيء وقت إخراجه من الحرز كان على ملك غيره ومن ثم يقطع بسرقته عند مالك مطلقاً، أما الشافعي وأحمد والشيعة الزيدية فيفرقون بين ما إذا كان التملك قبل تبليغ السرقة والمطالبة بالمسروق أو بعد ذلك، فإن كان التملك قبل التبليغ فلا قطع ويعزر الجاني لأن مطالبة المجني عليه بالمسروق شرط عندهم للقطع فإذا تملك الجاني المسروق قبل المطالبة لم تصح المطالبة بعد ذلك فلا يكون الحكم بالقطع ممكناً عملاً، أما إذا كان التملك بعد المطالبة بالمسروق فلا يمنع التملك من الحكم بالقطع، والفرق بين هؤلاء الفقهاء ومالك أن مالكاً لا يشترط للقطع مخاصمة المجني عليه أو مطالبته بالمسروق فيكفي أن يبلغ بالسرقة أي شخص المجني عليه أو غيره وليس من الضروري أن يطالب المجني عليه برد المسروق فالقطع واجب على السارق سواء بلَّغ المجني عليه أو لم يبلغ طالب المسروق أو لم يطالب، أما هؤلاء الفقهاء فيشترطون للقطع أن يطالب المجني عليه بالمسروق.

ويرى أبو حنيفة أن تملك المسروق قبل القضاء يسقط القطع عن السارق وإن كان لا يمنع من تقديره فإذا تملكه بعد القضاء وقبل الإمضاء فيرى أبو حنيفة ومحمد أن لا يقطع السارق لأن الإمضاء من تمام القضاء، فما يصلح مانعاً للحد قبل القضاء يصلح مانعاً بعده، ويرى أبو يوسف أن تملك المسروق بعد القضاء لا يمنع من القطع، أما المذهب الظاهري فيتفق مع مذهب أبي حنيفة فى هذه النقطة.

ولا يكفي لتكوين جريمة السرقة أن يكون الشيء المأخوذ غير مملوك لآخذه بل يشترط أن يكون مملوكاً لغير السارق فإن لم يكن مملوكاً لأحد كالأموال المباحة أو المتروكة فإن أخذه لا يعتبر سرقة ولو كان خفية ولا يعتبر الشخص سارقاً للمال ولو لم يكن يملكه إذا له حق الانتفاع به، فالمستأجر الذي يأخذ الشيء المؤجر له والمستعير الذي يأخذ الشيء المعار والمرتهن الذي يأخذ الشيء المرهون كل هؤلاء لا يعتبر أحدهم سارقاً ولو أخذ الشيء خفية عن المالك ما دام أنه أخذه لاستفاء حقه المقرر على الشيء، على أن مالكاً يرى قطع صاحب المنفعة إذا أخذ الشيء خفية عن مالكه قبل القبض، ويجب أن يكون الشيء المأخوذ محلاً للملك حتى يكون محلاً للسرقة فإن لم يكن محلاً للملك فلا يعتبر محلاً للسرقة، وسرقة المال العام حكمها حكم المال المشترك عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد والشيعة الزيدية؛ لأن للسارق حقاً في هذا المال، وقيام هذا الحق يعتبر شبهة تدرأ عنه الحد. أما مالك فيرى قطع السارق من بيت المال أو من مال المغنم، ويرى ذلك الظاهريون أيضاً بالشروط التى يشترطونها فى المال المشترك.

ويرى الشافعية القطع في سرقة المال العام إذا خصص لطائفة لا يدخل فيها، كأن خصص للفقراء وليس منهم، فالقطع واجب إذا لم يكن له حق فى المال، في حين يرى الحنابلة القطع في مال المغنم بعد إخراج الخمس، فإذا سرق قبل إخراجه فلا قطع، وإذا قسم الخمس، فإذا سرق من خمس الله تعالى لم يقطع، وإن سرق من غيره قطع، ويترتب على الأحكام السابقة الذكر، أنه إذا سرق السارق من آخر فدرئ القطع عن الأول كان القطع على الثاني، لأن يده تصبح يد ضامن في رأي أبي حنيفة، وإذا قطع السارق الأول في مال فسرقه منه آخر فلا قطع على الآخر، لأن يد المسروق منه ليست يد ملك ولا أمانة ولا ضمان، إذ هو بالقطع لا يضمن المسروق، وعند أحمد لا قطع على السارق الثاني سواء قطع الأول أو درئ عنه القطع، لأن السرقة ليست من المالك أو من يقوم مقامه، وعند مالك يقطع السارق الثاني سواء قطع الأول أم لم يقطع، لأنه سرق مالاً للغير لا شبهة له فيه من حرزه ولو توالت السرقات وتعدد السراق، لكن من المتفق عليه بين الفقهاء أن ما يستهلكه السارق داخل الحرز أو يتلفه لا يعتبر سرقة، وإنما يعتبر إتلافاً عقوبته التعزير.

بالتالي، ينبغي التفرقة بين الجهل بالقانون والجهل بالوقائع، فالجهل بالقانون لا يعتبر عذراً للجاني، فإذا إعتقد الدائن أن من حقه الإستيلاء على أموال المدين في حدود حقه فلا يعتد بهذا الغلط، أما الجهل بالوقائع فيؤدي إلى إنتفاء القصد الجنائي، كما لو إنصب الجهل على قاعدة مدنية متعلقة بأسباب كسب الملكية أو إنتقالها أو فقدها، على سبيل المثال، أن يسترد البائع الشيء المبيع من المشتري الذي لم يدفع الثمن وماطل في ذلك بحيث إعتقد البائع أن الملكية لم تنتقل إليه، إذ يجب أن يعلم الجاني أنه استولى على منقول مملوك للغير، فإذا كان يعتقد غير ذلك إنتفى لديه القصد الجنائي، وإذا اعتقد الجاني أن المنقول مملوك له أو أنه مباح أو متروك فلا يتوافر العلم ولا يقوم القصد الجنائي.

عبدالعزيز بن بدر القطان / كاتب ومفكر – الكويت.

زر الذهاب إلى الأعلى