مرفأ قراءة… محمد فريد أبو حديد والرواية التاريخية

– 1 –

ليس من أبناء جيلي في مصر، أو العالم العربي، من لم يقرأ رواية تاريخية واحدة على الأقل للكاتب والرائد القدير محمد فريد أبو حديد (1897-1967) والذي كانت روايته الشهيرة «أبو الفوارس عنترة بن شداد» مقررة على طلاب الصف الأول الثانوي في مصر منذ ما يزيد على العقود الثلاثة (وما زالت ربما حتى وقتنا هذا).

أذكر جيدًا أنني قرأت الرواية وأنا مبهور بلغتها العربية الجزلة الفخيمة، وبتلك القدرة على استعادة وبعث تفاصيل تلك الفترة من التاريخ العربي قبل الإسلام. كان أبو حديد من البراعة بحيث استطاع أن ينقل أجواء البيئة العربية القديمة؛ جغرافيا وتاريخيا وإنسانيا، وأن يصور باقتدار مفردات الحياة العربية الجاهلية وقيمها وتصوراتها للعالم من خلال إعادة كتابة سردية واحد من أبرز وأشهر فوارسها وشجعانها وأبطالها المعروفين “أبو الفوارس عنترة”، موظفا قدراته اللغوية المكينة، وإلمامه بالشعر العربي القديم، وتبحره في الدراسة التاريخية وعشقه إياها في صياغة هذه السردية الروائية البديعة.

– 2 –

ومحمد فريد أبو حديد سريعًا لمن لا يعرفه من الأجيال الجديدة، رائد أدبي جليل القدر مارس الكتابة والتأليف والترجمة والإدارة الثقافية لما يزيد على نصف القرن، وقد كان عضوا نشطا وفعالا في لجنة التأليف والترجمة والنشر تلك اللجنة التي قدمت للثقافة العربية والأدب العربي ما لم تقدمه مؤسسات كبرى مجتمعة (تستحق أن نفرد لها مقالا خاصا في مرفأ قراءة في القريب إن شاء الله).

له عدد كبير من الروايات، معظمها تاريخي، ومن بينها: «ابنة المملوك» (1926)، و«المهلهل سيد ربيعة» نشرت على حلقات في مجلة «الثقافة» المصرية الشهيرة، ابتداءً من أبريل (1939)، و«الملك الضليل» (1940)، و«زنوبيا» (1941)، و«جحا في جانبولاد» (1944)، و«أبو الفوارس عنترة» (1946)، و«الوعاء المرمري» (1951) التي يعدها النقاد أفضل رواياته سواء من حيث السرد، أو الإقناع، أو الأبعاد الإنسانية العميقة، أو اللغة الشاعرية في المواقف التي تتطلب ذلك.

وفي عام 1953 نشر روايته المهمة «أنا الشعب» التي تنتقد الأوضاع الاجتماعية التي كانت سائدة قبل الثورة، وانتهت باندلاعها. ومن ترجماته المذكورة: كتاب «دعائم السلام» للدكتور كار (1949)، وفن التعليم لجلبرت هايت (1953) مع مقدمة للمترجم بعنوان «فن التعليم كما أعرفه»، ومسرحية ماكبث لشكسبير (1957)، وكان لهذه الترجمة أثرها فيما ألفَّ فيما بعد، فقد نشر كتابًا عن شكسبير ترجم فيه نصوصًا له.

وقد ترجم للأطفال واليافعين «آلة الزمن» عن ويلز، و«نبوءة المنّجم» (1949). وأشرف على سلسلة قصص شهيرة للأطفال كانت تصدر عن دار المعارف في منتصف القرن العشرين؛ بعنوان «أولادنا»، وأسهم فيها بقصتين شهيرتين؛ هما: «عمرون شاه» و«كريم الدين البغدادي» (1947).

وعلى الرغم من أنه لم يشتهر بكتابة سيرته الذاتية، فإنه في عام 1924 نشر أول كتبه بعنوان «صحائف من حياة، أو مذكرات المرحوم محمد» وهي ترجمة لمرحلة الصبا من حياته، على حين تحوي روايته «أزهار الشوك» (1949) ملامح ذاتية لشبابه. وتوفي محمد فريد أبو حديد في 18 مايو 1967، واحتفل مجمع اللغة العربية بتأبينه في 23 أكتوبر من العام نفسه.

– 3 –

لقد أنتج الأدب العربي الحديث عددًا كبيرًا من الروايات التاريخية اعتمادًا على تراثه التاريخي الممتد والثري. ومنذ البداية احتلت الرواية التاريخية العربية مكانة ممتازة بين فنون الإبداع الأدبي. وبطبيعة الحال كانت وظيفتها الثقافية الاجتماعية آنذاك تختلف عن وظيفتها الحالية، فقد أشار جورجي زيدان إلى أن “عامة القراء لا يقبلون على قراءة التاريخ إلا إذا كان ممزوجًا بالخيال”، أي أنه وظّف الفن الروائي في خدمة المعرفة التاريخية، وقد سار على نهجه كثير من الروائيين الأوائل.

وقد عدَّ محمد فريد أبو حديد من رواد الرواية التاريخية في أدبنا العربي المعاصر؛ حيث كان يمثل مع كلٍّ من نجيب محفوظ وعادل كامل وعبد الحميد جودة السحار ومحمد سعيد العريان وعلى الجارم رواد الرواية التاريخية من الرعيل الثاني في الأدب العربي، بعد تأسيسية جورجي زيدان بسلسلة رواياته الشهيرة (روايات تاريخ الإسلام)

يقول الناقد الراحل الدكتور سيد البحراوي عن نشاط تلك المرحلة “إن نجيب محفوظ لم يكن الوحيد الذي توجه بين كتاب تلك الفترة إلى الماضي، بل إنه كان أقلهم في الحقيقة، إذا تذكرنا أسماء علي أحمد باكثير، وعلي الجارم، وعبد الحميد جودة السحار، ومحمد فريد أبو حديد، ومحمد سعيد العريان، ومحمد عوض محمد، وعبد المنعم محمود عمرو، وعادل كامل، وإذا كان لبعضهم رواية واحدة أو روايتان، فإن لبعضهم أكثر من خمس عشرة رواية مثل عبد الحميد السحار أو علي الجارم، بحيث يمكن لنا القول بأن الرواية التاريخية كانت هي السمة الغالبة لكتابة تلك الفترة”.

ويرى البحراوي أن هذه السمة نتجت عن عاملين أساسين؛ هما:

الأول؛ هو الهروب من مواجهة القهر البوليسي الذي ساد مصر منذ أواخر الثلاثينيات، تحت حكم أحزاب الأقلية. والثاني؛ هو البحث عن طريق يحدد الهوية المصرية، بعد الفشل الذي بدا واضحًا للحل السياسي للمشكلة الوطنية آنذاك والحاجة إلى حل جديد، ومن هنا سيتضح لنا -كما يقول البحراوي- لماذا شغلت معظم هذه الراويات نفسها بتقديم نماذج بطولية من التاريخ القديم، سواء كان إسلاميًا أو فرعونيًا.

ومن بين أسماء الكتاب المشار إليهم سابقًا يتضح أن هناك فريقين متمايزين إلى حد كبير؛ فريق لجأ إلى الماضي الإسلامي العربي، وفريق (يمثله الثلاثة أسماء الأخيرة مع نجيب محفوظ) اختار الماضي الفرعوني. وهذا التمايز كان مؤشرًا واضحًا للصراع الفكري الذي كان -وما زال- سائدًا حول الهوية المصرية، بين الإسلاميين العروبيين، والمتوسطيين الفرعونيين.

– 4 –

في هذا الإطار برز اسم محمد فريد أبو حديد كأحد أعلام تيار الرواية التاريخية التي تستلهم التاريخ العربي قبل الإسلام؛ وقد أخرج في هذه الدائرة ما يقرب من ست روايات تاريخية ذكرناها آنفا. وتلك الروايات أكدّت مكانة محمد فريد أبو حديد في تاريخ الرواية العربية بوجه عام، والرواية التاريخية بوجه خاص، وذلك من الزاوية التي سعَت بها هذه الأعمال إلى أن تقرن الجديد الإبداعي بتأصيل جذور الهوية العربية، الأمر الذي دفع أبو حديد إلى استلهام التاريخ العربي القديم، وتأكيد حضوره الفاعل في الذاكرة الثقافية الحية. يقول محمد فريد أبو حديد عن ذلك في حواره المهم مع فؤاد دوارة في «عشرة أدباء يتحدثون»:

“اتجهت إلى تأليف رواياتٍ من نوعٍ آخر، حاولت أن أبرز فيها الروح العربي من خلال دراستي للتراث العربي القديم؛ سواء كان أدبًا أو تاريخًا أو فولكلورًا. فكتبت رواية «الملك الضليل» عن مأساة الشاعر الجاهلي القديم امرئ القيس، وكتبت رواية «المهلهل بن ربيعة»، وهو المعروف في الأدب الشعبي باسم الزير سالم. وتوقفت كثيرًا عند شخصية عنترة بن شداد المطالب بحريته وبمكانته بين قومه الذين لم يبلغوا في الدفاع عن قبيلته مثلما بلغ، ولكنهم حرموه من مكانته اللائقة به لأنه عبد! وقد اتخذته رمزًا للرجل الحر في نفسه، المغمور بين قومه، وكان في نفسي رمزًا للشعب المصري الذي كان محرومًا من حريته، ومن حقوقه، مع أنه العمود الفقري في الإنتاج والدفاع عن البلاد، فعالجت قصته على هذا الأساس في روايتي «أبو الفوارس عنترة بن شداد»”.

وقد تأثر أبو حديد من دون شك بروايات سير والتر سكوت مؤسس الرواية التاريخية وكاتبها الذي لا يبارى في الأدب الإنجليزي الحديث (في القرن التاسع عشر)، يقول أبو حديد “تأثرت في رواياتي التاريخية بأحد مشاهير الكتاب الغربيين وهو السير والتر سكوت، فقد أغرمت به منذ زمن بعيد، وقرأت معظم رواياته، وتأثرت بها بلا شك”.

وهو تأثير يشترك فيه مع كل كتّاب الرواية التاريخية في مصر، في ذلك الوقت، وعلى رأسهم نجيب محفوظ عميد الرواية العربية بغير منازع.. (وللحديث بقية).

المصدر: جريدة عمان

زر الذهاب إلى الأعلى