المدن الزراعية

عاش أسلافنا في الماضي على هذه الأرض يمتهنون الزراعة وصيد الأسماك والتجارة، يؤّمنون غذاءهم معتمدين على أنفسهم؛ حيث لم تكن أطعمة اليوم التي تأتينا من شتى بقاع المعمورة متوفرة لديهم، فقد كانوا يزرعون فيحصدون ثم يأكلون.

مساء الخميس الماضي وبينما كنت في الطريق عائدًا من العمل استمعت لحلقة منتدى الوصال؛ حيث كان ضيف الحلقة سلطان بن ماجد العبري رئيس الجمعية الزراعية العمانية بفرع محافظة الظاهرة، والذي كان يتحدث بكل واقعية وشفافية، ولاشك أن من استمع إلى الحلقة يجد أن الضيف قد تطرّق إلى الحديث عن مشاريع الأمن الغذائي، ومن ضمن الأفكار التي ينادي بها -والتي لفتت إنتباهي- هي إقامة مدن زراعية متكاملة تديرها جهة مستقلة خاصة بالاستثمار في هذا القطاع؛ وتكون مُمكنة ومستقلة في قراراتها التي تسهل وتدعم الاستثمار في القطاع الزراعي وقطاع الثروة الحيوانية، وفي الحقيقة هذه الفكرة قيمة وتستحق التوقف عندها ودراستها ثم العمل على تنفيذها لأنها تدعم رؤية وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه.

ذكرّني ما طرحه الأخ سلطان العبري بمشروع “توشكى” في جمهورية مصر العربية الشقيقة والكائن بجنوب وادي النيل بمحافظة أسوان، والذي كان قد دشّنه الرئيس الراحل محمد حسني مبارك في 9 يناير 1997، وكان يستهدف عند تدشينه استصلاح واستزراع حوالي 600 ألف فدان في ذلك الوقت، واليوم يُعد مشروع توشكى أحد مشاريع الأمن الغذائي القومي بجمهورية مصر الشقيقة. وفي كل الأحوال، فإن توجه الدولة نحو إنشاء مدن زراعية متكاملة في الأماكن التي تتوافر فيها المياه بشتى محافظات السلطنة سيصل بملف الأمن الغذائي إلى بر الأمان؛ تجنبًا لأي نقص في سلاسل الإمداد لأية أسباب؛ سواء كانت مناخية أو سياسية أو وبائية.

الكل على دراية تامة بما تتمتع به بلادنا من بيئات مختلفة ومواسم متعددة؛ حيث تعد هذه مميزات تنافسية تمكننا في زراعة مختلف أنواع المحاصيل والتي تتناسب مع مختلف الفصول طوال العام، وكذلك فإن هذه الميزة التنافسية تدعم إقامة مثل هذه المدن الزراعية المتكاملة والتي وإن أقيمت فإنها بلا شك ستساهم بشكل كبير في الحفاظ على الأراضي الزراعية من المد العمراني والتمدن، وكذلك ستحسن من دخل المواطن؛ حيث إن مدنًا كهذه ستتيح للشباب الباحث عن العمل الدخول في مجال مشاريع الزراعة والثروة الحيوانية؛ الأمرالذي سيُخفف عن كاهل الحكومة مسؤولية توفير فرص العمل للشباب.

علاوة على ما سبق، فإن مدنًا كهذه ستوفر مختلف منتجات محاصيل الخضار والفاكهة ومنتجات اللحوم والألبان والدواجن، وتوفر منتجات محلية يعني التقليل من الاستيراد مع وجود إمكانية لتصدير الفائض من المنتجات التي ستحمل هوية منتجات السلطنة للخارج وبالتالي ستساهم في رفد خزينة الدولة لكونها تعتبر من مشاريع التنويع الإقتصادي.

لا شك أن استحداث مدن زراعية مشروع لا يخلو من التحديات ولكنه يعد مشروعًا يتمتع بجدوى اقتصادية كبيرة على المدى المتوسط والبعيد، وبالإرادة وباستخدام التكنولوجيا والبحوث، سنتمكن من إنشاء هذه المدن التي ستعود بالفائدة على الوطن والمواطن.

أحمد بن خلفان الزعابي

زر الذهاب إلى الأعلى