الشعب في ظل هذه الظروف القاسية قد انقسم إلى قسمين، قسم مستفيد من هذه الأزمة ومن التغييرات الجارية سواء من خلال تحقق عدالة غائبة كانت من أمنياته أو من خلال حصوله على انتفاع مادي في عمله أو تجارته أو وظيفته، وهذا القسم هو الشاكر السعيد الذي يتلو آيات الحمد والشكر للدولة والحكومة كل صباح ومساء، ويرى أن الأخبار التي تتناقل هنا وهناك عن تدهور الأحوال المعيشية للناس ما هي الا لغط وهرج ومرج يقصد منه إقلال الدولة والإخلال بالنظام العام، بل وينكر وجود أي أوضاع اجتماعية أو اقتصادية سيئة.
والقسم الثاني هم الذين تضرروا من الأزمة الاقتصادية والصحية ومن القرارات الحكومية سواء أكان الضرر نتيجة تسريحهم من العمل أو من نقصان علاواتهم ومخصصاتهم أو من تهميشهم مناصبيا واجتماعيا، أو من شعورهم بالإحباط نتيجة اصطدامهم بأنظمة صارمة جديدة تحد من المنافع التي اعتادوا عليها بطرقهم الخاصة.
أكثر المتضررين هم بعض من استفاد وعلا شأنه في النظام الحكومي القديم وهم شخصيات تتمتع بمكانة اجتماعية كبيرة، لهذا ترى حولهم كثير من الجمهور والأتباع والمؤيدين، الذين يوافقونهم في كل شيء يقولونه وبشكل أعمى سواء كان الخطاب في صالحهم الشخصي أو لا.
وهناك قسم ثالث وهو يشكل السواد الاعظم الذي يجري خلف أي مسيرة يراه ويردد كل صوت يسمعه، فهو يتأثر بما يقال حوله، فإن رآهم يتحدثون بطريقة سلبية عن الحكومة وقراراتها قال مثلهم واعتقد باعتقادهم، وإن وجد من حوله يقولون أن الحكومة أجرت تغييرات جذرية من شأنها أن تخرج من البلاد من المستنقع الذي أوشكت أن تقع فيه قال أيضا مثلما يقولون واقتنع بكلامهم، وقد تجد لشخص أكثر من رأي وفكرة في نفس اليوم حسب الموقف والمغرد والشخصيات المتحدثة.
والرأي العام لا يشكل الحقيقة وإن كان شائعا في المجالس والجروبات، لأنه يتم تشكيله من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وهذه مشكلة كبيرة ليست على الصعيد المحلي فقط وإنما على الصعيد الدولي، حيث تتمكن دول بعيدة متسلطة عندها إمكانيات سياسية واقتصادية من أن تؤثر سياسات دولة أخرى من التأثير على الرأي العام في وسائل التواصل الاجتماعي، كما تدخلت روسيا على انتخابات الولايات المتحدة الامريكية سنة 2016 من خلال الفيسبوك والتي أثير على أثرها تحقيقات واتهامات بهذا الشأن من الكونجرس الامريكي، فإن كانت امريكا وهي الدولة الأقوى والأعظم لا تستطيع أن تحمي شعبها من التأثير الالكتروني السلبي، فما بالك بالدول النامية ودول العالم الثالث، وهذا ما يحصل في أغلب الدول، لكون الشعوب جبلت على كره الحكومات فإنها تتفاعل بشكل تلقائي مع أي انتقاد لها وإن كان الانتقاد مبنيا على حقائق وهمية بعيدة عن الواقع، بينما تتغافل الشعوب أو تتناسى أي إنجازات مملومسة ومححقة، والتي يمكن أن تكون هي السمة الغالبة على تلك المؤسسة.
المشكلة في عمان أننا لا نعرف ماذا نريد، وعندما عرفنا ماذا نريد ووضعنا له خطة أربعينية لتحقيق ما نريد لم تعجبنا الإجراءات المتخذة في سبيل تنفيذ الخطة وتحقيق الهدف، ثم صرنا نشكو كثيرا، نشكو من الحكومة ومن الوزراء ومن مسؤولينا في العمل ونشكو من الإمارات ومن قطر ومن الهند ومن ايران ومن بريطانيا وهذا حق إنساني بديهي ومشروع لكل إنسان من حقه أن يشكو، وأنا أشكو وأنت تشكو وكلنا نشكو لأننا تعبنا من انتظار الخير ونشكو لأننا نتألم كثيرا بسبب السياسات المالية الجائرة التي تنتهجها الدولة، والتي على الصعيد الشخصي الوقتي تؤثر سلبا على أوضاعنا الاجتماعية والمالية، البعض من أقاربي وأصدقائي المساكين تضرروا ولكنهم من ناحية أخرى بدأوا يكتشفون طرقا جيدة للكسب، فأصبحوا يقدرون قيمة المال أكثر، وأصبحوا يحرصون على استخدامه بشكل صحي وحريص، وأصبحوا يفكرون في احتجياتهم قبل التفكير في رغباتهم، وهذا أمر جيد لأنه سيخلق مجتمعا واعيا على المدى البعيد، حيث سيقل الطلب على كثير من السلع ويكثر فيها العرض فيؤدي ذلك إلى هبوط الأسعار على الرغم من وجود الضرائب بشرط منح السوق حرية كبيرة وقيودا قليلة، كما حصل في العقار عندما رفعوا رسوم البيع فتقلصت حركة البيع والشراء والمضاربات فهبطت الأسعار.
مع عدم إغفالنا للجائحة الصحية المحيطة بنا التي تزيد من صعوبة الأمر على الناس وعلى الحكومة التي تعاني من ندرة في النقد، وهذه الندرة هي السبب الأكبر لكل مشاكلنا، فإن حلت مشكلة المال لانحلت باقي المشاكل بسهولة ولحققت كل الرغبات، أما مع وجود هذه العجوزات في هذه الأزمة الصحية فإن على الحكومة أن تستمر في مسلسل التصحيح والاصلاح، وعلينا نحن أن نراعي ذلك قدر المستطاع وأن نتحامل على أنفسنا قليلا حتى نخرج من الهاوية ونمشي على سطح
الأمان.
جمال النوفلي
