امتداداً لبحث “لغة القرآن” الماضي، ارتأيت تبيان وتفصيل الأميين الذين خصهم الله تبارك وتعالى لحكم إلهية، بالإضافة إلى التمسك القوي بلغة القرآن في وقت زاد الهرج والمرج عن حده، من قبل من يسمّون أنفسهم ملحدين وعلمانيين، الذين لا يدّخرون جهداً للنيل من الإسلام والقرآن الكريم.
وكنت ولا زلت من الأشخاص الذين يأملون عودة الأمة إلى ثقافة القرآن، وأن يقوم كل باحث إسلامي وقانوني وكليهما معاً بتبنّي هذا النهج، وتثقيف الأمة خاصة الجيل الحالي، هذه الثقافة مهمة للقانوني ولعالم الدين وللإنسان المسلم هي الأهم والأعم، لأن ما نحتاجه اليوم هو فهم القرآن والابتعاد عن السطحية في التعاطي مع الدين الإسلامي، الفهم يحقق الغاية وينهض بالإنسان ويبنيه ويبني مجتمعاً صحياً، من خلال همسات قرآنية تضيء بعضاً من هذا الكتاب، من الناحية اللغوية والبلاغية والفكرية، من أي زاوية تثقف الإنسان، وتعطيه جرعة إيمانية قد يكون أحوج إليها من أي دواء، فالثقافة القرآنية تقتضي أن يتمتع الشخص بالثقافة البلاغية، واللغوية والنحوية، فالقرآن الكريم يعلم اللغة والبيان ويمدك بالحجة التي تحتاج في حياتك، فما يحدث اليوم من مشاحنات طائفية مع شديد الأسف أبعدتنا عن القرآن وعن روح القرآن، ومقاصد القرآن والشريعة الإسلامية.
قال تبارك وتعالى: (هو الذي بعث في الأميّيّن رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين)، لقد أراد الله تعالى أن يذكر جميع العرب والأمّي الذي لا يقرأ ولا يكتب، لنشر الرسالة المحمدية الخالدة.
ومن المعروف أن لنزول القرآن الكريم باللغة العربية له دلالات وحِكم كثيرة، منها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي نزل عليه القرآن عربي اللسان ويعيش في أمة عربية ويجب عليه تبليغها أولاً قبل غيرها، ومن المعروف أيضاً أن لغة العرب تمتاز بالسعة والقدرة على استيعاب المعاني الحسية والمعنوية فلا يوجد في غيرها من اللغات ما يوجد فيها من الثراء ووفرة المفردات المترادفة والمشتركة، ومن أساليب الخطاب كالحقيقة والمجاز والاستعارة والكناية… والقرآن الكريم جاء للبشرية كلها ويحمل من العلوم والمعاني بصريح العبارة أو بالمفهوم والإشارة، ما لا يستوعبه إلا اللغة العربية.
ومفهوم الأميّة حقيقةً يختلف بين مفسر وآخر، وهذا بإجماع من كبار الباحثين والدارسين بالعلوم الإسلامية، العلماء المسلمون يفسرون الأمية على أنها الجهل بالقراءة والكتابة، أما المستشرقون فهم على العكس من ذلك، إذ يعتقدون أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو النبي الأمّيّ كان يعرف القراءة والكتابة، ويتصورون أنه اقتبس هذا الدين من كتب الديانات الأخرى، لكن الواقع من حيث المبدأ، أن أهل الكتاب والأميون سواء، في مفهوم التبليغ، (فإن حاجّوك، فقل “أسلمت وجهي لله ومن اتبعنِ وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد”، فلا فرق في مفهوم التبليغ لدعوة الإسلام، بين أهل الكتاب والأميين، ومن حيث الأصل ومفهوم الأمية، وبحسب ما اتفق عليه جمهرة علماء اللغة، أن الأمية هي نسبة إلى الأم أي إلى الحال التي ودته عليه أمه، لا يقرأ ولا يكتب، ومن ثم يتعلم ليشكل الحالة التي يصبح عليها، فالإنسان يتلقن ويصبح جزءاً من المجتمع وليس بالشكل الذي كان عليه في حالة الطفولة، فأولئك الأميون شاء الله لهم وضعاً لحكمةٍ قدّرها تبارك وتعالى، فالعرب بلا منازع ملوك البيان، فلغة العرب هي لغة بلغوا فيها قمة النضج، وتفوقوا من خلالها على نظرائهم من أبناء اللغات الأخرى، كالعبرية والسريانية والآرامية إلى ما هنالك من اللغات السامية.
والعربية تتميز على كل لغات العالم، وهي لغة مؤثرة، ويؤثر فيها العنصر السابق في كل ما يليه، فاللغة العربية تهيم بمفرداتها وكأنها تعيش على روح خاصة بها، ففي اللغة العربية هندسة لم يعرفها أبناء اللغات الأخرى، بالتالي، بلغ الأميون القمة بلغتهم، لكن العامل الذي ينقصهم أنهم ما كانوا يعرفون الكتابة، فلقد كان غرب شبه الجزيرة العربية، قمة الحضارة فيما يتعلق بالكتابة والنقوش، ولكن لم تصل الكتابة إلى باقي أجزاء شبه الجزيرة، حتى أن الفرس والروم كانوا يعرفون الكتابة، وبالتالي إن وجود هؤلاء العرب في قلب الصحراء هو لحكمةٍ إلهية، وعليه كانوا أميين أي لا يعرفون الكتابة فقط، وغير صحيح أنه لا يعرفون القراءة فقد كانوا من أبرع الشعراء، ومع تبليغ الرسالة، سمعت الدنيا من فم رسول الله الوحي المنزل، “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم”، وهكذا جاء القرآن على أساس أن يتوافق مع حال أولئك الأميين، وكأن الله تبارك وتعالى، أراد بأميّة هذه الأمة أن يعكس الواقع، فلقد جاءت التوراة على ألواحٍ مكتوبة، لكن الدين الإسلامي متميز، ومهيمن على سابقه، وبالتالي لا بد أن تكون آياته مقروءة بعكس ما كان عليه أهل الكتاب، قال تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتابٍ ولا تخطّه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون)، من هذا الشرح يكون مفهوم الأمية المحدد، هو أن هؤلاء القوم الذين بلغوا الذروة في البلاغة والفصاحة وفي فن الشعر وفنون القول، لم يكونوا يعرفون الكتابة، وهو ما قرره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في قوله: (إنّا أمّة أمية لا نكتب ولا نحسب) وهنا الرسول الكريم لم يقل إنا أمة أمية لا نقرأ، وعليه إن المعنى الشائع أن الأمية هي الجهل بالقراءة والكتابة هو معنى خاطئ، فجاء القرآن الكريم ليعلم تلك الأمة الكتابة لأن ذلك أصبح ضرورة.
الجدير بالذكر أن عدد الذين كانوا يكتبون في مكة المكرمة عند البعثة لا يزيدون عن ثمانية أشخاص، بالتالي، هذا الفن لم يكن متاحاً لكن كان العرب يملكون عقلاً كبيراً عوضهم عن الورق، فالكلمة كانت مقام العهد المكتوب، ولما بدأ العهد الإسلامي، قال تبارك وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدينٍ إلى أجلٍ مسمّى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأبَ كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق)، ويقول أيضاً: (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجلٍ ذلك أقسط عند الله وأقوم للشهادة)، معنى ذلك أن القرآن جاء أولاً معجزة تتحدى كل القارئين والقائلين خاصة العاكفين على الأوثان، فلم يكن هناك أعز وأغلى من اللغة العربية وبيانها عند العربي، فعند نزول الوحي الجميع يعلم أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، اختار لنفسه دار الأرقم ابن أبي الأرقم، وكان يجتمع مع الصحابة في هذا الدار، فيقرئهم ويسمعون منه ويقرأون عليه، ويتناقشون في بيان الآيات، قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون)، فكان جهد النبي في هذه المرحلة التي دامت 13 عاماً، في مكة، أن يخلي العقول العربية من الشرك وجهالة الجاهلية وعبودية الأوثان ويضع مكان ذلك، آيات الله البيّنات.
من تلك البداية، بدأ الدين يزداد انتشاراً والشرك يتآكل وينحسر، وسادت لغة الحوار وسماع الآيات ونقاش بيانها، مع الإشارة إلى ان أغلب تلك الحوارات سادت في مكة كون أغلب الآيات نزلت فيها، فجاء القرآن الكريم ليقيم دولة القرآن، ويبعد دولة الجاهلية في كل شيء، واستمر هذا الحال حتى نزول آخر آية من القرآن الكريم وقبل وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بأربعة أيام، قال تعالى: (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون)، وختم الوحي، لتعتاد المنطقة على لغة جديدة بعيدة كلياً عن لغة الجاهلية.
الناس في اللغة المستخدمة إن درت أو دون أن تدري لا تخرج عن اللغة المستخدمة في لغة القرآن، الغنية والثرية بالمفردات الأصيلة وتمدنا بالألفاظ التي عاشت عليها الأمة وعاش عليها أدبها، من أول صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى أن تقوم الساعة، فلغة القرآن لغة ثلاثية وهذا يعني أن لغة العرب أساساً لغة ثلاثية أي من الجذر الثلاثي، وهي اللغة الرصينة التي قام عليها بيان العرب، وشعر الأمة من صدر الإسلام إلى صدر الأمة الحديثة هو شعر قرآني، وفكر هذه الأمة من أولها إلى آخرها، سيبقى فكراً قرآنياً، فنحن أمة التوحيد وأمة القرآن وسنبقى كذلك إلى يوم الدين.
أخيراً، إن هذه الأمة التي تملك هذه اللغة الفتية القوية والمبينة، أدارت ظهرها للعربية لتلحق بركب الحضارة الغربية، وتبنت لغاتٍ أخرى، من يريد النهضة لأمته يجب ان تكون بلغته الأم لا أن يتلقنها من اللغات الأخرى، يجب أن تخرج النهضة من أعماق هذه الأمة، اللغة العربية اليوم تحتاج إلى هذه النهضة ورد كرامة اللغة كلغة أصيلة وكأم اللغات أجمع، نحتاج اليوم إلى ثورة اللغة العربية لتردنا إلى القرآن، تردنا إلى حضن الكتاب العزيز الذي بنى أمتنا، هذا أمل نأمل أن يعود ويتحقق، لتعود للأمة كرامتها، ويستعيد أبناؤها ثقتهم بلسانهم، لسان القرآن، وأنا من أشد الحريصين على انتشار مدرسة القرآن وأن يتثقف بها الشباب المسلم، الثقافة الحقيقية هي الثقافية القرآنية لا ثقافة بعدها. قال تبارك تعالى: (وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين).
د. عبدالعزيز بن بدر القطان
