باعة الخردة ينهبون ثروات الوطن

عندما أصدر معالي السيد سعود بن هلال بن حمد البوسعيدي وزير الدولة ومُحافظ مسقط في الأول من شهر فبراير من عام 2022 القرار رقم 67/ 2022 بإصدار لائحة تنظيم ممارسة نشاط جمع وتداول الخردة في محافظة مسقط، والذي اقتضت المادة (11) من اللائحة حظر ممارسة النشاط والعاملين لديه التجول في الأحياء السكنية بغرض جمع الخردة، أو تداولها بأيِّ وسيلة كانت، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي من منتقدي القرار، قائلين إن القرار قد حرم مجموعة من الشباب من وظائفهم، متناسين السلبيات الكبيرة التي تتسب فيها هذه العمالة بين الأحياء والأزقة، خاصة في الأوقات التي ينصرف فيه غالبية المواطنين إلى أعمالهم، فيما يبقى النساء والأطفال وكبار السن.

فبعض الأزقة لا تصلها الشاحنة فيترجل العامل الوافد من شاحنته ليجوب الحارات والأزقة بحثًا عن غنيمته، وأي غنيمة، فيما يبقى الشاب العماني الذي يقود الشاحنة داخل شاحنته يلهو بهاتفه. فيمضي الوافد بين الأحياء أوقاتًا طويلة تصل إلى الساعة، ولا يأتي خالي الوفاض، فأحيانًا يلقى عجوزًا كبيرة في السن ولديها أوانٍ نحاسية قديمة جدًا، وربما بعض المقتنيات الفضية مما تعد ثروة وطنية قيّمة فيشتريها بثمن بخس.

يُحدثني أحد الإخوة أنَّ أحد هؤلاء الوافدين دخل إحدى الحارات فعثر لدى امرأة كبيرة في السن أوانٍ نحاسية ذات قيمة كبيرة، ومن تلك الأواني “مرجل” نحاسي قديم أعطاها فيه 4 ريالات، بينما يُباع مثله في محلات بيع المقتنيات الأثرية بملغ يتجاوز 500 ريال، وهذا مثال واحد من بين عديد من الأمثلة.

ناهيكم عن خطورة وجود الوافد بين الأزقة، فربما تحدث تجاوزات أخلاقية، وهذا أمر غير مُستبعد، ولنكن واقعيين، ولا نحسن الظن في كل هؤلاء الذين تكتظ بهم سجون البلاد بحوادث من هذا القبيل دون الإعلان عنها، فلندع الطيبة جانبًا، ولنكن أكثر حذرًا، ونحرص أكثر على موروثاتنا، وعلى أعراضنا.

أما الشاب الذي يتحدثون عنه ويقولون إنه فقد مصدر رزقه هو مجرد سائق يتقاضى أجرا يوميا 5 ريالات في اليوم أو تزيد، بينما الوافد ينهب ثروات البلاد.

هذا الشاب الذي يتحدثون عنه هو باحث عن عمل ويعمل في هذه المهنة إلى أن يصل دوره في الوظائف التي تقدم إليها عبر بوابة وزارة العمل، وعمله في هذه المهنة مجرد استغلال للوقت بشيء مفيد إلى حين الالتحاق بعمل، فالخمسة ريالات أو حتى العشرة لا تفتح بيتاً لشاب طموح يحلم ببناء منزل وتكوين أسرة، في المقابل فإنَّ الضرر من تجوال بائعي الخردة بالغ الخطورة، بعيدًا عن الأبواق المزعجة والصخب، لكن لها أبعاد أخطر من ذلك كما أسلفت.

وهنا أنقل حديثاً للمحامي الدكتور أحمد بن سعيد الجهوري مع صحيفة النبأ الإلكترونية يقول: “إثارة الصخب والإزعاج بقيام قائدي مركبات تجميع الخردة بإصدار الأصوات المزعجة من مركباتهم، أصوات عالية مخالف لنص القانون وفق ما ورد في المادة 294 من قانون الجزاء، فهو مؤثم بعقوبة تصل إلى ثلاثة أشهر وأيضاً المادة 292 في ذات القانون أيضا له تأثيم على التخصيص، كل من يقوم بأعمال البيع ولكنه بصورة مزعجة في المناطق العامة، كل ذلك مدعاة إلى الانتباه أن هذا الازعاج وهذه الضوضاء هي مقلقة لراحة الآخرين، والقاعدة القانونية تقول بأن حريتك تنتهي متى ما ابتدأت حرية الآخرين، فيجب أن نراعي أن في تلك البيوت أطفال ومرضى ومن هو في حاجة إلى الراحة”. وأضاف: “إن كان ولا مناص في البحث في داخل الحواري عن مواد الخردة فيجب أن تكون هنالك آلية مختلفة تنظم بطريقة يراعى فيها راحة وحريات الآخرين. ولا يضار هؤلاء الناس أيضًا في بحثهم عن رزقهم بطريقة منظمة ولكنها غير مقلقة ومزعجة للآخرين. علمًا بأن ترخيص شراء وبيع تلك المواد منظم وفق أطر قانونية، ذلك التنظيم كائن في محلاتهم والمواقع التي يستأجرونها من أجل مُمارسة تلك المهنة، وبالتالي تداخل المسألة في أن ينتقلوا بمركباتهم للبحث عن المواد الخردة فإن ذلك أيضًا مشمل بقواعد في قانون المرور لذلك المسألة فعلا تحتاج إلى قرار ينظم هذه العملية حتى يكفل راحة الجميع، وأيضًا استمرار هؤلاء في البحث عن أرزاقهم ولكن بطريقة مريحة لكل الأطراف”.

ما ذكره المحامي أحمد الجهوري قد شمله القرار الوزاري الذي سبق ذكره، وقد نظم هذه العملية، فالشاب العماني يمكنه ممارسة عمله، في ظل منع العمالة الوافدة من قيادة هذه الشاحنات، ولننظر إلى الأمور من جوانب عدة، ومن الأبواب الواسعة وليس من بابها الضيق.

ونحن ننتظر قرارًا مماثلًا من وزارة الداخلية ينظم عملية بيع الخردة، خاص بالبلديات الإقليمية في بقية المحافظات، يُحظر من خلاله ممارسة النشاط بالتجول في الأحياء السكنية بغرض جمع الخردة، فعُمان ليست مسقط فقط.

نسأل الله تعالى أن يحفظ بلادنا، ويحميها من كل متربص بها، وبراحة واستقرار مواطنيها والمقيمين على أرضها.

طالب المقبالي