الفكر الديني و جميس ويب

الفكر الدينى هو فكر البشر الغير مقدس والقابل للصواب والخطأ فى تفسير النص الدينى المقدس. ولذا فهذا الفكر والاجتهاد البشرى يتشكل ويتأثر من خلال كل الثقافات الموروثة والمكتسبة طوال عمر البشرية بدرجات ونسب معينة.
إضافة لتلك المؤثرات والمكونات التى تساهم فى تشكيل الفكر البشرى فى زمان معين ومكان بذاته، وهذا يعنى أن الفكر بشكل عام والفكر الدينى بشكل خاص هو ابن زمانه ومكانه يتغير ويتطور فى إطار التطور الطبيعى الذى يكتشفه العقل البشرى ويثبته العلم وعلى ذلك وفى إطار المعطيات الموروثة ثقافيًا واجتماعيًا وأسطوريًا (حيث أن الأسطورة هى جزء من التكوين الفكرى فى كثير من الأزمنة) كان من الطبيعى أن يتم تفسير النص الدينى تفسيرًا حرفيًا يتناسب مع القدرات الفكرية والعلمية حين ذاك.
ولأن الإنسان يرى أن الأرض منبسطة وحيث أن وسائل الاتصال والمواصلات لم تكن موجودة فلم يبرح الخيال فى أكثر الأحوال أن تكون الأرض كروية وليست منبسطة، بل لم يتسع الأفق على اتساع الأرض إلا بعد الاكتشافات الجغرافية وإن كانت كروية الأرض لم تكن هى الخلاف الوحيد بين من يتمسكون بفكر دينى موروث سيطر عليه تراث ابن زمانه ومكانه بل إن كل اكتشاف علمى فى أى مجال كان هذا الاكتشاف هو نوع من الكفر بالنسبة لذلك الفكر الدينى المتجمد.
هنا كانت محاكمة وإدانة جاليليو من محكمة التفتيش الرومانية الكاثوليكية عام ١٦٣٣ بتهمة دعمه لنظرية مركزية الشمس أى دوران الأرض وبقية الكواكب حول الشمس التى تقع فى مركز المجموعة الشمسية والتى صاغها العالم (كوبر نيكوس) عام ١٥٤٣.
كما أن الكنسية كانت قد حظرت الكتب التى تتحدث عن مركبة الشمس وذلك كان نتيجة لاعتماد الكنيسة على التفسير الحرفى للإنجيل، ولما كان الدين هو الدين لكل معتقدى أى دين كان ويكون الفكر الدينى هو ابن مجتمعه وزمانه مع التأثر فى إطار تواصل الحضارات من قديم الزمان.
ولذا وجدنا أيضًا من يكفر ويبدع عدد من الفلاسفة والعلماء المسلمين ويرميهم بأوصاف الزندقة والإلحاد فى التاريخ الإسلامى، كان على رأسهم:
– جابر ابن حيان وكان لقبه أبو الكيمياء.
– الكندى وكان قد برع فى علوم كثيرة كالطب والرياضة والفلك.
– الرازى وقد ألف كتاب (الحاوى فى الطب) الذى ظل مرجعًا أساسيًا فى الطب بأوربا بعد ٤٠٠ عام بعد تأليفه.
– الفارابي وقد لقب بالمعلم الثانى بعد أرسطو.
– ابن الهيثم وقد ألف ٢٠٠ كتاب فى الفلك والفيزياء والهندسة.
– ابن رشد وكان فيلسوفًا أعمل العقل فى النص الدينى حتى أنه أثر فى الفكر الأوروبى.
حيث كان مارتن لوثر بثورته الدينية الإصلاحية ١٥١٧، تلك الثورة التى انجبيت كوبر نيكوس وجاليليو. الغريب والغريب جدًا أن هناك من رجال الدين فى غير مصرنا يقول حتى الآن أن الأرض مسطحة ويكفر من يقول غير ذلك.
وفى ظل بقايا هذا الفكر الدينى المتخلف نجد العلم يتقدم بشكل مذهل لدرجة أن العقل والفكر التقليدى يتوقف ويستغرب، أخيرًا كان تليسكوب (جيمس ويب) وهو تليسكوب يعمل باستخدام الأشعة تحت الحمراء القادرة على التقاط الضوء الذى يحجب الغبار والغاز والأهم أنه يرى الزمن الماضى.
تكلف هذا التليسكوب عشرة مليار دولار قام بالمشاركة فى تصميمه مئات العلماء من أمريكا وأوروبا وكندا، أرسل صور بالألوان والحركة واكتشف مجرة عمرها 135 مليار عام وهى الأقدم فى الكون حيث تشكلت هذه المجرة بعد ٣٠٠ مليون سنة من الانفجار العظيم الذى حدث قبل 812 مليار عام.
وهذا ببساطة يعنى أن القادم من العلم والاكتشافات سينقل العالم والتاريخ والجغرافيا لآفاق بلا حدود، فإذا كان اكتشاف كروية الأرض كان قد غير وأثر فى العلم والسياسة والاقتصاد والثقافة والفكر الدينى فما بالك بهذا الذى يحدث؟ هنا.
هل ننكر هذا السباق العلمى ونقول (كما يقول بعض المتخلفين) أن هذه أكاذيب ولم يحدث أصلاً نزول الإنسان على القمر وأن هذه سياسات تقصد هدم الدين.
أم نغير ونصحح الفكر الدينى حتى يساير العلم والتطور وهذا لا علاقة له بثوابت الدين ولا قداسة النص الدينى فأولًا وأخيرًا الله هو الصانع والقادر والخالق، وقد جعل هذا الكون يسير بالعلم وليس المعجزات    والعلم نتاج العقل البشرى والعقل البشرى هو هبة الله لهذا الانسان والذى ميزه به عن سائر المخلوقات.
فالكتب المقدسة ليست كتب علمية تتفق أو تختلف مع العلم ولكنها كتب دينية روحية تحدد العلاقة بين الله وبين الإنسان وتعطى الإنسان الطريق الأعلى ليسير حياته فى اطار المقاصد العليا للأديان وصولًا لمجتمع إنسانى يستفيد ويهنأ بالعلم والاكتشافات التى تفيد الإنسان خاصة إذا وضعت فى الإطار الانسانى بعيدًا عن الإطار الصراعى. حفظ الله مصر وشعبها العظيم.

جمال أسعد