أمريكا دخلت مرحلة الشيخوخة بنفوذها وقيادتها

كما أشرنا في مقال سابق فإن قمة جدة التي حضرها الرئيس الأمريكي العجوز جو بايدن لم يكن هدفها كما تم الترويج له دمج إسرائيل في المنطقة وإنشاء حلف ناتو شرق أوسطي

تشارك فيه إسرائيل وتشجيع المزيد من الدول العربية للتطبيع مع الكيان الصهيوني، فذلك لم يعد سرا وإنما أصبح يمارس من فوق الطاولة ولم يعد تحتها ولا يحتاج الى عقد الاجتماعات والتشاور فيما بين المهرولين من المطبعين العرب، لقد كان الهدف من قمة جدة التي أعد لها على عجل يتمثل في كسر العزلة أولا عن ولي عهد السعودية محمد بن سلمان وفي نفس الوقت محاولة لإيجاد ضمانة له ليحل خلفا لوالده الملك سلمان بن عبدالعزيز وبذل الجهود لإقناع الأسرة المالكة للموافقة عليه كملك مستقبلي للسعودية التي تزداد المعارضة الشديدة داخلها لتنصيبه ملكا، وتفيد المعلومات الأولية أن جو بايدن لم يستطع أن يحقق بكل ما بذله من جهد ومن وعد لمحمد بن سلمان هذا الهدف الأخير فخرج الرئيس الأمريكي كما يقال من باب السخرية يخفي حنين يندب حظه العاثر لأنه أخفق في الخروج بنتائج جيدة من زيارته للدولة التي سبق له وهدد وتوعد بأنه سيجعل منها دولة منبوذة ولم يحقق النجاح المطلوب كما فعل سلفه الرئيس الجمهوري ترامب عندما خصص أول زيارة له للسعودية بعد انتخابه رئيسا لأمريكا وخرج بصفقة مادية قدرت بأكثر من أربعمائة مليار دولار غير ما جناه لاحقا وكان يراهن محمد بن سلمان على فوز ترامب مرة أخرى ليستكمل تحقيق كل أهدافه تحت رعايته ولكن الرياح جرت بما لا تشته السفن ففاز الديمقراطيون الذين سببوا له وجعا وصداعا لم يشف منه حتى اللحظة رغم زيارة بايدن للسعودية وتحسين العلاقة معه.

وفي المقابل كانت القمة التي أعقبت الأولى وعقدت في طهران عاصمة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بحضور الرئيس الروسي بوتين ومشاركة تركيا وإيران مناقضة تماما لما خرجت به الأولى من اتفاقات كونها تمثل محور «مختلف» يؤسس لتكوين معسكر آخر لمواجهة المعسكر الذي تقوده أمريكا وقد ينهي دورها كشرطي للهيمنة على العالم فتعود الحرب الباردة من جديد كما كان عليه الحال قبل انهيار الاتحاد السوفيتي بداية التسعينيات من القرن الماضي خاصة أن أمريكا بدأت في الدخول إلى مرحلة الشيخوخة بنفوذها وقيادتها وتلقيها هزائم متعددة في أكثر من منطقة من العالم وبذلك تتنفس الشعوب المغلوبة على أمرها الصعداء وتتفرغ لبناء نفسها بعيدا عن سيطرة الدول العظمى، كما سيتيح هذا الوضع إن تحقق لقارة أوروبا العجوز أن تجدد شبابها وتتحرر دولها من هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية التي فرضت عليها خدمة مصالح واشنطن على حساب مصالح شعوبها كما هو حادث حاليا عندما ورطتها أمريكا للوقوف ضد روسيا الاتحادية التي شنت حربا على أوكرانيا من أجل الدفاع عن أمنها وأجبرت أوروبا على فرض عقوبات على روسيا انعكست سلبا على الدول الأوروبية نفسها وأصبحت هي الخاسر الأكبر بحكم اعتمادها على الطاقة الروسية وبدل ما ينهار الروبل الروسي حسب ما كان المؤمل من فرض العقوبات أنهار اليورو الأوروبي حيث أصبح سعره أقل من الدولار لأول مرة في تاريخه، ومن المفارقات العجيبة أن الاتحاد الأوروبي في اجتماعه مؤخرا فرض المزيد من العقوبات على روسيا الاتحادية وفي نفس الوقت يحذر روسيا من قطع الغاز على أوروبا وهو ما جعل الشعوب الأوروبية بحكم خضوع حكامها للسياسة الأمريكية تعيش بين نارين، نار الحرائق التي تلتهم الغابات وتهجر السكان وتقتل العديد منهم ونار ضغط روسيا عليها المتمثل في التهديد بقطع مصادر الطاقة التي تغذي أوروبا وأهمها الغاز.

وعليه فإن ما يشهده العالم اليوم من متغيرات قد يكون لها تداعيات ايجابية تخدم بالدرجة الأولى الشعوب التي وضعها حكامها تحت الهيمنة الأمريكية حفاظا على كراسيهم واستجداء دفاع أمريكا عنهم وما يحدث في دول مجلس التعاون الخليجي أنموذجا فقد تكفلت أمريكا والتزمت في بيانات رسمية بالدفاع عنهم وعن أمنهم كما تكفلت بذلك مع إسرائيل في مقابل أن يذهب الجزء الأكبر من ثروات هذه الدول العربية الغنية الى الإدارة الأمريكية مع أن حكام السعودية والخليج تحديدا يعرفون جيدا أن أمريكا ستتخلى عنهم وقت الضرورة بعد أن تورطهم في قضايا ومشاكل هم في غنى عنها مثلما ورطتهم في العدوان على اليمن وورطت أوكرانيا في حرب مع روسيا ثم تخلت عنها حيث كان اعتقاد المهرج حاكم أوكرانيا أن أمريكا ستحارب معه لهزيمة روسيا ويتحول إلى بطل مدافع عن أوروبا حسب زعمه ولكنها فقط اكتفت بتزويده بالسلاح الخردة لمواصلة الحرب من أجل تدمير شعبه رغم معرفته أنه لن يفوز في هذه الحرب، ومع إن الثقة قد تزعزعت في الإدارة الأمريكية بدليل خلاف السعودية والإمارات العربية المتحدة معها إلا انهم في مجلس التعاون الخليجي لن يستطيعوا الذهاب بعيدا أكثر من الخلاف في وجهات النظر بسبب ما يمارس عليهم من ضغوط أمريكية تجبرهم على تنفيذ كلما يطلب منهم وإلا فإن مصيرهم كما سبق وصارحهم الرئيس الجمهوري ترامب سيكون إلى ما لا يحمد عقباه قد يقود إلى سقوط أنظمتهم ، والأيام القادمة كفيلة بأن تكشف المزيد من المفاجآت لاسيما فيما يتعلق بمكانة أمريكا وتراجعها إلى الوراء كونها دخلت كما أشرنا آنفا في مرحلة الشيخوخة ولم تعد ذلك البعبع الذي يخيف الشعوب الرافضة لهيمنتها وسياستها الاستعلائية.

أحمد الشريف