صناعة السلاح.. وجغرافيا العالم الجديد

تَتَقاسم عالمنا اليوم أزماتٌ وحروبٌ ومحنٌ لا تُبشر أبدًا بالخير وإن كانت شعلة الأمل تظل متوهِّجة في الاحتكام للمنطق والعقل من أجل عالم أكثر هدوءًا واستقرارًا، وشعوب تهنأ تحت سُحب الرفاه والتطور.. أيديولوجيات مستحدثة هدَّامة، وتحزّبات تختلط فيها المصالح، و”أنا” سياسية بدأت تفرض نفسها وبقوة على تفاصيل المشهد الدولي، حروب وصراعات سجال هنا وهناك، جعلتنا نصل حدَّ القناعة بأنَّه وبلا أدنى شك هناك مُستفيد أكبر من كل هذه الإثارة، دول لها مصالح كبرى لصناعة الحروب في العالم، واضعين نصب أعينهم أنه لا يجوز للعالم أن يعيش في سلام، وهو توجه خطر بحد ذاته يُهدِّد أمن وسلام واستقرار البشرية.

وبعدما كان العالم يحبس أنفاسه أمام تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية، التي لا تزال آثارها قائمة، بدأ يضغط بكلتا يديه على صدره ورئتيه لعلَّها تسعفه ليحبس أنفاسه أطول فترة ممكنة، وهو يرى بوادر حرب أخرى تلوح في الأفق، لكنها هذه المرة بين قطبين إستراتيجيين، فماذا لو وقعت فعلا الحرب بين أمريكا والصين بسبب تايوان؟! ماذا ستستفيد بيلوسي والكونجرس الأمريكي؟

وأيًّا ما كانت الإجابات، وكلها مشروعة لضبابية المشهد الراهن، إلا أنَّ الخطر الذي يظل يتهدد الإنسانية جمعاء يتمثل في “صناعة السلاح”، والتي تجرُّ خلفها صناعة الحروب والترويج لبيع الأسلحة، وإشعال الحروب، فتدفع السياسيين للإدلاء بتصريحات تهديدية وتخويفية، وأخرى مثيرة للفتنة، فيشتعل العالم من أجل فقط انتعاش اقتصاداتهم التي تقوم بالأساس على بيع الأسلحة، والتي لن تجد رواجا ولا إقبالاً، إذا كان العالم يعيش في هدوء وسلام.. إذن الأمر متروك الآن لتتبُّع المستفيد من كل هذا، من بيده تحريك ثورات الشعوب وإثارة الفتن وإشعال فتيل الحرب بين مختلف الدول وتدميرها بأكثر الأسلحة فتكاً؟

فخلال السنوات العشر المنصرمة احتلت شركات السلاح الصدارة، من خلال حصولها على تريليونات الدولارات والعقود المالية الضخمة، والتي تقوم على إثرها بإنتاج أنواع هائلة من السلاح والذخيرة، ونتيجة لاندلاع الحروب باليمن وسوريا وليبيا والعراق وغيرها من دول العالم، فتقوم شركات السلاح الأمريكية بالاستفادة من خلال بيعها للأسلحة والصواريخ الحربية للدول التي تتعرض للحروب فيما بينها، وكم شهدنا من غارات وصواريخ تم توجيهها أثناء الهجوم، وكل صاروخ قد يكلف الشيء الكثير من المبالغ الباهظة. وهنا، تكمُن الاستفادة من كل هذه الخطط والسياسات والمؤامرات التي تدعو وتهدف لقيام الحروب بين الدول، وغالبا ما يسمونها “الحرب على الإرهاب”، والتي تتخذها الدول العظمى مبررا لأي تدخلات عسكرية يعملون من خلالها على ملء خزائن شركات السلاح بالدولارات من جراء بث هذه الأفكار والسياسات التحريضية بين الشعوب.

اليوم.. نحن لا نعلم أبعاد هذا الصراع الأمريكي الصيني وبينهما تايوان، ولا إلى أين سينتهي؟ لكننا نؤمن بأنَّ بلادنا قيادة وحكومة وشعباً مستمرة على نهج السلام ونشر رسالة السلام، مترجمة سياسة العمل والتعامل مع العالم أجمع، والشيء بالشيء يذكر من خلال بيان البيت الأبيض وما جاء فيه من إشادة جو بايدن بالدور المحوري الذي قامت به سلطنة عُمان بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- في تأمين تمديد الهدنة في اليمن لشهرين آخرين، مُثمناً الدور المحوري للسلطنة من خلال الاتصالات المكثفة التي جرت بين معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية ونظيره الأمريكي توني بلينكن والأطراف اليمنية؛ الأمر الذي أسهم في التوصل لقرار التمديد.

إننا وإذ نحمد الله كوننا أهل هذا البلد الطيب أهله، المؤمن بنهج السلام، والنابذ لكل أشكال العنف والحرب والتخريب والدمار، سنظل دائمًا وأبدًا ماضين على هذا النهج، رافضين كل ما يسلب الإنسانية حقّها الشرعيّ في الحياة، بل ويسلب من القيادات حقّ سيطرتها المشروعة على الأحداث، منددين دائمًا وأبدًا بكل تصرفات وأفعال الهادفين لإعادة رسم جغرافية العالم بما ينتجونه ويروجونه من سلاح، من أجل عالم هانئ لنا وللأجيال اللاحقة علينا.

فايزة بنت سويلم الكلبانية