بين أشواق العيد والاشتياق للمستقبل 

مع استقبال أولى نسمات فجر يوم العيد المبارك مازال فى مقدور المرء أن يتلمس بعض أشواق تدفع به إلى هناك حيث كان يجب أن يكون الحجيج بملايينهم يطوفون حول الكعبة المشرفة ويسعون بين الصفا والمروة بعد أن فرغوا من قضاء أغلب مناسكهم أمس فى عرفات ومزدلفة التى انطلقوا منها إلى منى لرجم الشيطان وليسرعوا إلى مكة من أجل طواف الإفاضة الذى هو الركن الأصعب بسبب كثافة الازدحام بالملايين. مازال فى مقدور المرء أن يسترجع كل هذه المشاهد رغم غيابها القسرى بسبب توقف استقبال الحجيج من خارج المملكة لعامين متتالين بسبب جائحة كورونا.
كانت مشاهد ملايين المسلمين وهم يصطفون فى لحظة واحدة فى صفوف ودوائر منتظمة مبهرة حول الكعبة المشرفة بمجرد صدور كلمة واحدة عن إمام الحرم “استووا” مثار إعجاب مفعم بالحقد ومثار تندر مدفوع بالسخرية من جانب كل هؤلاء الذين استجمعوا كل أحقادهم للصراع ضد الإسلام والمسلمين. كان لسان حالهم يقول: كيف لهؤلاء المسلمين القادرين على الاصطفاف بالملايين فى لحظة واحدة فى مثل هذه الدوائر لمجرد كلمة من الرجل الذى يؤم الصلاة فى حين يعجزون لسنوات طويلة عن تحقيق أدنى درجة من التقارب والتفاهم لتحقيق الحد الأدنى من احتواء صراعاتهم فقط وليس صنع التقدم؟ وكيف يكون بمقدورهم التوحد المبهر حول الكعبة المشرفة ويعجزون عن تحويل هذا التوحد إلى منهج حياة لإدارة شئونهم؟
لم تغب هذه الأسئلة عنى وأنا أكابد أشواقى إلى بيت الله الحرام ولمناسك الحج وإلى زيارة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. فالواقع المتردى للأمة وصل إلى درجة إفساد كل المشاعر النبيلة ولم يعد يسمح للمرء أن يعيش لحظات صفاء مع النفس التى باتت مسكونة بأوجاع ذلك الواقع.
هل أمتنا إلى صعود أم إلى انحدار؟ إلى أين تتجه هذه الأمة بملايينها؟ وأى مستقبل ينتظر الإسلام والمسلمين فى ظل ضبابية كثيفة وصلت إلى درجة المس بشعائرهم وأولها الحج؟
أسئلة مزعجة أرى أنها تأخذنى بعيداً عن لحظات الشوق والحنين التى أعيشها صبيحة يوم العيد إلى واقع إسلامى وعربى صعب ظننت أن بمقدورى الهروب منه ولو للحظات وأنا أردد مع المهللين والمكبرين أدعيتهم وابتهالاتهم للبحث مجدداً فى مسيرة الأمة بين الصعود والهبوط وهنا بالتحديد أجدنى أغرق فى ذكريات يوم عشته فى مكة المكرمة أجادل حول معادلة الصعود والهبوط فى مؤتمر نظمته رابطة العالم الإسلامى فى مقرها بمكة المكرمة على هامش أحد مواسم الحج التى تشرفت بالمشاركة فيها، بقدر ما أكابد مشاعر الحزن لفراق رجل عظيم أدركته المنية وجدتنى أتوحد معه فى أفكاره حول ذات القضية: صعود وهبوط الأمة هو الفقيه الجليل مراد هوفمان ألمانى الجنسية الحاصل على درجة دكتوراه الفلسفة فى القانون من جامعة هارفارد الذى اعتنق الإسلام عن جدارة واعية وفهم عميق وبعد مسيرة مهنية طويلة عمل فيها سفيراً لبلاده فى الجزائر والمغرب، وألف بعد إسلامه الكثير من المؤلفات الإسلامية شديدة الأهمية ذات العلاقة الوثيقة بالقضية ذاتها أى صعود وهبوط الأمة واحتمالات المستقبل فى ظل ما هو ملاحظ من تناقض بين قدرة المسلمين على التوحد والانتظام فى صفوف مبهرة تضم الملايين فى أقل من لحظة حول الكعبة المشرفة وبين تبعثرهم المخزى خارج هذا المشهد المهيب وعجزهم عن التوحد وتحولهم إلى جماعات متصارعة متناحرة لديها قدرة هائلة على الانبطاح أمام الأعداء الحقيقيين للأمة الذين مارسوا أبشع أنواع القهر والاستبداد والاستغلال لأوطان المسلمين وثرواتهم تلك الظاهرة التى أسماها المفكر الجزائرى الكبير مالك بن نبى بـ “القابلية للاستعمار” وأطلق عليها المفكر الإيرانى الراحل الدكتور على شريعتى أبرز مفكرى الثورة الإيرانية والذى اغتاله “سافاك الشاه” فى باريس قبيل الثورة بـ “القابلية للاستحمار”.
هل هذه هى الإجابة الأفضل للسؤال؟ هل الفجوة الهائلة بين التوحد حول الكعبة، وهو التوحد الذى يتكرر خمس مرات فى كل المساجد مع الصلوات الخمس وبين التشرذم فى الأداء وتبعثر الجهود والعجز عن الفعل سياسياً واقتصادياً وثقافياً وحضارياً، ترجع بالأساس إلى قابلية الشعوب العربية والإسلامية للاستعمار أو للاستحمار من قبل قوى خارجية تمارس الهيمنة والسيطرة وبسط النفوذ؟
السؤال مازال قائماً وهذا ما جعلنى أتذكر مداخلتى التى كانت مثار اختلاف خصوصاً مع من كانوا يديرون الحوار فى الجلسة التى حضرتها فى مؤتمر رابطة العالم الإسلامى بمكة المكرمة على هامش موسم الحج، وأتذكر أهم مقولات الراحل مراد هوفمان بهذا الخصوص .
كانت المفاجأة الأقرب إلى الصدمة بتقدمى للحديث أمام تلك الندوة فى الجلسة التى خصصت للبحث فى موضوع “الحوار بين الأديان” مزدوجة أولاً لأن المتحدث ليس من علماء الدين أو الفقهاء الذين هم جل الحضور بل هو ممن ينتسبون إلى حقل العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية أى من بيئة فكرية – ثقافية مغايرة، وثانياً وهذا هو الأهم مضمون الحديث الذى طرحته أمام الندوة والذى رفضت فيه دعوة “الحوار بين الأديان” والذى ركزت فيه على أمرين أولهما أولوية الحوار الإسلامى – الإسلامى على الحوار مع الأديان الأخرى باعتبار أن ذلك يجب أن يأتى بعد أن نقطع مسافة طويلة وناجحة م الحوار الذاتى أى الحوار مع النفس كمسلمين أى حوار المذاهب طمعاً فى توحدها أو على الأقل تفاهمها بدلاً من صراعها، والحوار داخل الأوطان بين القوى الوطنية بأحزابها وتكتلاتها المختلفة وبين هذه القوى مع الحاكمين أملاً فى الوصول إلى مشروع وطنى يحترم التعددية وحرية الرأى والفكر ويصون مقدرات الدول والتأسيس لنظم حكم عادلة لا تحتكر السلطة أو الثروة، وتجعل “مبدأ المواطنة” الذى يحقق المساواة بين المواطنين دون تمييز أساساً للحكم.
أما الأمر الثانى فهو ضرورة أن نصل كمسلمين إلى “خطاب سياسى جديد” يؤصل لعلاقاتنا مع الغير وبالأخص مع العالم الغربى. خطاب يعتمد العزة والكرامة وليس المذلة والهوان والاستجداء فى الحوار مع الآخر سواء كان ضمن حوار بين الأديان أو بين الحضارات أو حتى بين الحكومات أو مؤسسات المجتمع المدنى. حوار يرتكز على قدرات إسلامية قوية يجب أن يملكها المسلمون فى كافة المجالات قادرة على أن تجعل منهم رقماً مهماً فى معادلة توازن القوى ضمن القوى الدولية الأساسية فى النظام العالمى. عندها نستطيع أن نتحاور من منطلق القوة والتوازن،  بعد أن نضع نهاية لقابليتنا الموروثة أو المصطعنة للاستعمار أو للاستحمار .
وبقدر ما كان حديثى مثار تندر بين كثير من الحضور فى تلك الندوة بقدر ما كانت مؤلفات وأفكار مراد هوفمان مثار رفض ومحاصرة من الغرب ومثار تجاهل مع أشقائه المسلمين الذى رحل عن عالمهم دون أن يحس به أحد!!. لقد كان مراد هوفمان واثقاً ، بعد دراساته المعمقة، بأن “الإسلام ديانة فى صعود فى الألفية الثالثة” شرط امتلاك الشروط اللازمة لذلك، ووصل به الاقتناع بالفكرة لدرجة أن جعلها عنواناً لواحد من أهم مؤلفاته.
ظل هوفمان متمسكاً، حتى موته، بكل ما استخلصه من دراسته وتدبره للقرآن الكريم وقراءاته الموسوعية فى الحضارة الإسلامية، مؤكداً أن “النور دائماً يأتى من الشرق”، ولم يستبعد أن “يعاود الشرق قيادة العالم حضارياً” وأنه “إذا أراد المسلمون حواراً حقيقياً مع الغرب عليهم أن يثبتوا وجودهم وتأثيرهم، وأن يحيوا فريضة الاجتهاد، وأن يكفوا عن الأسلوب الاعتذارى والتبريرى فى مخاطبة الغرب”.
شوقى الآن إلى كل هذه الأفكار ليس إلا شوقاً للمستقبل المأمول ونحن نعيش أعظم أيامنا الإسلامية كمسلمين، شوق لا ينافسه إلا الشوق لمكة المكرمة وبيت الله الحرام والتمتع بزيارة سيدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فى مدينته المنورة وأنا أكابد ألم غياب الملايين عن شعائر الحج سائلاً المولى عز وجل ألا يطول هذا الغياب .

د. محمد السعيد إدريس
جريدة الأهرام  20 / 7 / 2021م

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى