ثورة يوليو

تبلغ ثورة يوليو يوم الجمعة المقبل عامها التاسع والستين، وعلى الرغم من ذلك ما زالت الصراعات الفكرية والخلافات الطبقية تتصاعد، دلالة على أهمية يوليو فى التاريخ المصرى، خاصة أن الثورة بكل أفكارها وأهدافها وقراراتها قد توقفت تمامًا منذ عام ١٩٧٤، ولذا وجدنا دكتور محمد عفيفى، الأسبوع الماضى، وفى جريدة «الدستور»، يطرح سؤالًا حول يوليو، هل هى ثورة أم انقلاب؟

أولًا: التعريفات والنظريات السياسية لا تطرح أولًا ثم يتم تطبيقها بعد ذلك على أرض الواقع، ولكن يتم الحدث السياسى، ثم بعد ذلك يتم استخلاص التعريف والنظرية مما حدث فى الواقع من نتائج حقيقية عملية، وليست مجازية نظرية.

ثانيًا: من الطبيعى أن يكون هناك خلاف تاريخى حول الأحداث التاريخية الكبرى. فلا يوجد القبول أو الرفض المطلق، ولكن القبول والرفض يقاسان فى مثل هذه الثورات بكم المستفيدين من نتائج الثورة، أهُم أغلبية الشعب، أم هم تلك الأقلية المسيطرة على كل مقدرات الوطن؟

ثالثًا: لا شك أن الأحداث والثورات الكبيرة هى تلك الثورات التى يمتد تأثيرها متجاوزًا المحلية إلى الإقليمية والعالمية، وهذا ما حدث مع يوليو.

رابعًا: الحديث عن يوليو بعد ذلك التاريخ هو حديث يجب أن يتم بالحوار العلمى والسياسى والموضوعى، بعيدًا عن الشعارات الموروثة وغير العلمية رفضًا أو قبولًا، لأنه لا يوجد مطلق، فكل الأمور نسبية، ولذا هناك أخطاء ليوليو، ولكن القياس هنا بين كم السلبيات وكم الإيجابيات ومَا هو الأرجح.

أما الجانب العلمى، فيوليو بدأت انقلابًا عسكريًا أسقط النظام الملكى، هنا لو توقف الأمر كان سيصبح انقلابًا، أى تغيير سلطة بسلطة أخرى دون تغيير فى المسارات الأخرى، ولكن لأن الضباط الأحرار كانوا قد وصفوا الواقع السياسى «الظرف الموضوعى»، حينذاك توصيفًا سليمًا وصحيحًا نتيجة الفساد والاستبداد والاستغلال الذى كان جاثمًا فوق صدور أغلبية الشعب المصرى. هنا التف الشعب المقهور حول الانقلاب، فحوله إلى ثورة، خاصة بعد صدور قانون الإصلاح الزراعى بعد أكثر من شهر واحد من الثورة، ذلك القانون الذى غير مسار الحياة الاجتماعية والسياسية للمصريين الفقراء. هنا توافق الظرف الموضوعى «الفساد والاستغلال» مع الظرف الذاتى «تنظيم الضباط»، فكانت الثورة التى غيرت الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية تغييرًا جذريًا إلى الأحسن، والأحسن هنا نسبى. فالأحسن بالنسبة للأغلبية ليس بالضرورة هو الأحسن بالنسبة للأقلية. فمصلحة العامل تتناقض مع مصلحة صاحب العمل. ومصلحة الفلاح لا تتفق مع أطماع الإقطاعى صاحب الأرض. أما التغيير الجذرى هذا فكان بلا شك فى صالح الطبقات الفقيرة التى كان يسيطر عليها الفقر والجهل والمرض، والتى لا تملك ثمنًا لحذاء أو قبقاب «شبيه الشبشب». استفدنا بالتعليم والتوظيف والخدمات الصحية والثقافية التى أحدثت لنا نقلة نوعية فى حياتنا حتى أصبح جمال أسعد ابن الطبقة الفقيرة وليست المتوسطة عضوًا بمجلس الشعب.

إذن ثورة يوليو حدث تاريخى مصرى صنعه المصريون وسانده المصريون واستفاد منه المصريون ودفع ثمنه أيضًا المصريون. كما أن يوليو الآن قد أصبحت حدثًا تاريخيًا مثل كل الثورات التاريخية التى غيرت وأسهمت فى إثراء الفكر السياسى والاقتصادى والثقافى فى العالم، مثل الثورة الفرنسية والثورة البلشفية. ولا تبقى غير دراسة التاريخ دراسة علمية وموضوعية، بعيدًا عن الانحيازات الأيديولوجية التى لا تسمن ولا تغنى من جوع. بالقراءة تحتاج إلى رصد الظروف الموضوعية والسياسية والاقتصادية التى قامت على ضوئها الثورة. فلا يصح علميًا تقييم يوليو على ضوء معطيات الواقع الحالى، فهذا لا علاقة له بالتاريخ أو الجغرافيا. ولكن الأهم هو ما المبادئ والأفكار التى أرستها يوليو وما زالت بعد هذا التاريخ قائمة وخالدة ومستقرة فى الوجدان السياسى؟ حتى إن هذه المبادئ تظهر سريعًا عند أى حركة سياسية جماهيرية على مستوى العالم العربى بل العالم الثالث. وهذه المبادئ هى التحرر والاستقلال الوطنى والعدالة الاجتماعية واستعادة الكرامة الإنسانية لمن أفقدهم النظام الملكى كرامتهم. كل عام ومصر والإنسانية كلها بخير. حفظ الله مصر وشعبها العظيم.

جمال أسعد

زر الذهاب إلى الأعلى