‏ مصرع الإلحاد .. بعض الإشارات

سأضع بعض الإشارات هُنا؛ بعد قراءتي لكتاب مصرع الإلحاد، لمؤلفه سلطان العلماء، مفتي عمان الشيخ أحمد الخليلي، وهي لمساتُ قارئ لا أكثر؛ لأدلكم على السِّفر العظيم.الكتاب أكبر من الوصف، ولن توفيه الكلمات بعض حقه، وجاء كضرورة ملحة، بعد أن كثرت السهام على روح الإسلام، وهو من الأهمية بمكان، بحيث لا يستغني عنه باحث، ولا يشبع منه طالب، والحقيقة التي أعترف بها، أنني وجدت فيه ضالتي، خاصة وهو يجيب على الأسئلة المُعَلَّقة، في ذاكرة البحث، والمتربصة بين موجات الحضارة، وسِحر العِلم الحديث.كتاب مصرع الإلحاد، لم يصرع الإلحاد فحسب، بل صرعه وقطَّعه وأحرقه، ونسفه بين دفتيه نسفا.والكتاب مجهود كبير، وملحمة منهجية وفلسفية وعقلية واستدلالية عميقة، ولستُ أدري، كيف تيسَّر للشيخ هذا الأمر الذي يحتاج إلى فريق كامل، أو لجنة متعددة التخصصات، إلا أن نستحضر العون والتوفيق الإلهي.ومهما كانت العناية والمراجعة إلا أن بعض الأخطاء المطبعية تعبر أعين الرقيب والمُراجع، وقد رصدتُ منها عشرًا، لكي يتم تفاديها في الطبعات القادمة.كنتُ أتوقف عند كل بابٍ وفصل، وأتعجب من هذا العلامة الذي جمع بين علوم الدين والفلسفة والمنطق والطب، وغاص عميقًا حتى أغرق بين يديه أصحاب النظريات المهترئة، والفرضيات المتهالكة، والتي ظنوها نهاية المطاف، ومنتهى الفكر.وعجبتُ لشدة المؤلف وهجومه كلما جاء ذكر الشيوعية والشيوعيين، ولكني حين قرأت سيرته الذاتية وما شاهده بأم عينه، عرفتُ سبب ذلك ومنشأه، وليس من سمع كمن رأى.وكعادة المؤلف، يأخذ بشغاف قلبك، وهو يبتدئ كتابه بشكر إحدى عشر شخصية، مع حفظ الألقاب، مبتدئًا بالصوافي إلى السيابي إلى الشيذاني إلى الذهلي إلى الشيباني، ثم المعولي واليحمدي ويختم بأبنائه؛ سليمان وخليل وأفلح وعمر.ابتدأت بالتمهيد، وغرقتُ في بحره، وأنا أتعجب من هذا العالم الذي يحدثني عن بروتوكولات حكماء صهيون، وكيف نواجهها، في عصرنا الحاضر، بذات العلاج القرآني النبوي، وماهي حقوق أهل الذمة، ثم يصدح بصوت الحق في وجوب مواجهة الباطل المتلبس رداء الإلحاد، ثم يسوق قصيدة رائعة للإمام الشاري أبي إسحاق الهمداني، ولا ينسى أن يطعم كتابته  بجواهر اللغة ،ويستدعي بين السطور عالم البلاغة المشهور عبد القاهر الجرجاني، ويرفع الصوت عاليًا في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويسوق الأدلة من القرآن بين يديه ، كنور وضاء ، لا تنكره العين، ولا يمل منه العقل.ويضع لوحة كبيرة يشرح فيها المراحل الأربع التي اعتمدتها أكبر مؤسسة إلحادية في العالم لتمزيق أي بلد، والتي كشفها العميل المنشق يوري بيزمينوف وهي :أولا: إسقاط الأخلاق ومدتها من 15-20سنة ثانيًا: زعزعة الاستقرار بإذكاء النعرات ومدتها 2-5 سنواتثالثًا: مرحلة الأزمة ومدتها من شهرين إلى ستة أشهر.رابعًا: المرحلة الرابعة تقديم شخصيات ملمَّعة “مشاهير” تتصدر المشهد، وتدين بالولاء للعدو.ثم يحدثنا الكتاب عن الثورة البلشفية وما جرى فيها من سيول لدماء بريئة لم يكن ذنبها سوى التدين، ويسرد الأرقام والمراجع، ويحدثنا عن زيارته لحضرموت اليمن وما سمعه من أهلها عن ذلك اللهيب الشيوعي حينما وصلت ألسنته إلى هناك.ويطوف بنا حول ستالين ومجازره، ولينين وزحوفاته، وكشوفات الأعداد الرهيبة للضحايا من المسلمين.ويبكيك المؤلف وهو يسرد قصة ذلك الشاب العماني في زنجبار إبان الانقلاب الشيوعي، ومدى تنكره لأهله وأقاربه وأبناء جلدته، وكيف أخرجهم من بيوتهم للإعدام.ثم ينتقل بك إلى أجواء ذلك اليوم السعيد المشهود؛ الجمعة 23/يوليو/1970م ، حينما تولى زمام القيادة السلطان قابوس بن سعيد رحمه الله ، وكيف احتشد الناس لاستقبال قائد عمان الشاب الطموح، وكيف انطلق بعمان وهي تواجه أصعب التحديات ، وأخرجها إلى بر الأمان، وأحدث نقلة نوعية كبيرة جدًا، ثم يعرج بك إلى الحقيقة الدامغة والتي تشير إلى أن الإلحاد غاية واحدة وإن تعددت شعاراته، وتنوعت ألبسته، وتبدلت أقنعته، فالشيوعية فعلت فعلها ثم جاءت العلمانية ومثالها الطاغية أتاتورك، والذي تدرج في حربه للإسلام حتى وصل إلى تحريم اللغة العربية.


وصلتُ إلى الصفحة 121 وظننت أني قد أبحرتُ كثيرًا في الكتاب، فإذا بي أجد جملة تفاجئني، وتفيد بأن التمهيد انتهى هنا، وسيبدأ الكتاب بابه الأول، وتليه أربعة أبواب.ويبدأ الباب الأول بتعزيز الإيمان بالغيب وبيان ضرورته في حياة الناس، ويتألف من فصلين، وكل فصل يتألف من عدة مباحث.ثم الباب الثاني في الإلحاد ويتألف من أربعة فصول، ثم مباحث لكل فصل.لن أستطيع اختطاف إشارات لكل تلك الأبواب وفصولها، ومباحثها لأن كل فقرة مهمة، وكل معلومة أهم، وستجد محيطًا يفاجئك بجواهر جديدة، ودرر ثمينة، وستتعجَّب كثيرًا لكمية الجهد المبذول في استقصاء آراء العلماء وتتبع أقوالهم، واستشهاداهم، ثم مناقشتها، أو الرد عليها ونقضها.سيمتلئ قلبك بالإيمان حين تقف على جوانب الآيات الواضحات، وسيرة سيد الكونين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والتي أدهشت الأديب الفرنسي لامارتين.وستجد الإجابات الشافية للأسئلة الوجودية والفطرية ومدى ارتباط الأخلاق بالدين.وستمضي بك سفينة الإبحار على محطات كبار الملحدين كريتشارد دوكينز، وبعض الردود عليه، وكذلك الإباحي بول سارتر.ولن تشبع من حديث المؤلف وهو يملأ الوجدان بأدلة دين الله الإسلام، وسعة شريعة خير الأنام.ومن الطرائف أن المؤلف يذكر في صفحة 207 قصة المترجم المحترف لمحاضرته في أوزبكستان، وكيف تحدث الشيخ عن اليهود بجرأة وصراحة كعادته، وفي الأخير اكتشف أن المترجم يهودي.وكذلك في صفحة 267 وقصته مع جماعة من القسيسين ومعهم تلاميذهم وتلميذاتهم، وكيف نقض عقيدتهم ولم يملكوا إجابة، وحين تطرق لنقد المثلية؛ غلى مرجلهم، وفاح غضبهم، واشتد غيظهم.وكم أحببت صراحة المؤلف ونقده الواضح لكل ما هو سيء وإن انتسب للإسلام، كقصة الأربعين شيخًا حينما تقربوا ليزيد بن عبد الملك لترسيخ جوره واستبداده، وأقسموا بالله أن الخليفة مرفوع عنه القلم لا يحاسب على فعل، ولو كان ما كان، ولا يؤاخذ بشيء من ذلك. وكذلك انتقاده لما يرويه الرواة من حديث باطل وهو “تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع له وأطع” ويؤكد المؤلف بأن هذا من ترويج الظلمة، وحاشا رسول الله ص من هذا القول المنكر.ومثل هذا ذلك الدس الهابط في كتب التراث والأدب، والذي تأباه الفطرة السوية، وكل هذا ليس له هدف إلا تشويه الإسلام وفتح نافذة للملحدين.وما أروع أن تقرأ كلمات علماء العلوم الحديثة وهم يشيرون إلى وجود خالق حكيم عليم مدبر، كالفيلسوف الألماني ماكس بلانك، وإيننشتاين، وآرثرشاولو، وروبرت ناومان، وجون فليبس، وروبرت ميليكان، وجوزيف تايلور…وكم أدهشني الباب الرابع؛ حينما سرد الكتاب أسباب الإلحاد وعلاجه، وكيف يستشري بين الناس، وعلاقة النظرية الداروينية لتشارلز داروين –نظرية النشوء والارتقاء-بالإلحاد، وكيف أبطلها بالضربة القاضية، وإبطال أدواتها واستدلالاتها كالأحافير.وسيدهشك الكتاب، حينما يأتيك بأقوال الملحدين كما هي ثم يجمعهم على حلبة واحدة، ثم يصرعهم الواحد تلو الآخر، وستجد نظرية داروين أمام مشرحة الخليلي وقد فصَّل جميع أعضائها ونقض كل عراها، ولا يكتفي بطرح رأيه، بل يسرد لك آراء العديد من العلماء والباحثين، من المتقدمين والمتأخرين، وينسب إليهم أقوالهم بكل دقةٍ ومهنية.وكما هي المجازر والحروب مؤلمة، فإن ما أورده الكتاب حول ما جرى للهنود الحمر واحدة من هذه الآلام العميقة للنفس البشرية وللفطرة السوية، وكل تلك المجاز إنما جاءت تحت توجيهات الإلحاد ونظرياته.وكم عجبت حينما ذكر المؤلف بأن نظرية داروين لم تكن جديدة، بل قال بها الكثير من علماء المسلمين القدامى قبله، ولكنهم جعلوها دليلًا لإثبات النبوة، ومن هؤلاء؛ أحمد بن سهل البلخي، وابن مسكويه، وابن خلدون.ولن ينتهي عجبك والمؤلف يحدثك في سياق استدلالاته عن الحمض النووي، وعلم الوراثة، والطفرات الوراثية، وهندسة البرمجيات، وعلم الأحافير، ثم يسير بخطواتٍ ثابتة لإسقاط النواميس الداروينية الأربعة.وأخيرًا: لن يشبعك أي حديث حول الكتاب؛ إلا أن تغوص بين دفتيه، وتكحل عينيك في أوراقه من الصفحة الأولى حتى الصفحة 635 من المجلد الأول.

د.أمين الشامي 

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى