الجمعة, أغسطس 12, 2022

الصورة مقربة – 1 –

– ترتب جدولك لإتمام عمل معين أو تقطع مسافة ليست بالقصيرة للوصول إلى مكان ما كالمقهى بهدف إنجاز عمل مُهم لم تسمح لك بيئة البيت بإنجازه ثم تتفاجأ بشخص تعرفه أو لا تعرفه يقتحم عليك خلوتك ويُدخلك في حديث طويل لا نهاية له حول مواضيع لا تعنيك لتعود بعدها إلى بيتك بخُفي حُنين . ورغم أنك كنت خلال الجلسة تحاول بكل ما أوتيت من حِيل ظاهرة وباطنة إيصال فكرة أنك مشغول وبحاجة ماسة للوقت وللخصوصية لكن ضيفك ثقيل الظِل لا يعنيه ذلك بل يبحرُ فيسرد الحكايات والقصص إلى أن تندم على اللحظة التي خرجت فيها من بيتك .

– وأنا أدفع للموظفة العُمانية بطاقة السحب الآلي لتأخذ قيمة المشتريات ألقى علي شاب لا أعرفه السلام وقال بصوت خافِتِ : ” من تخلص أنتظرك برا ” أصابني كلامه بالخوف وأخذت بي الظنُون كل مأخذ لكن ويا للمفاجأة عندما خرجت وضع الرجل في يدي بدون مقدمات ” غرشة ” عسل استخرجها من كرتون وضعه في الكرسي الخلفي من سيارته قال إنه عسل عُماني ” متعوب عليه ” وأقسم الأيمان أني لصاحبها ومُشتريها وأن السعر هو آخر ما يجب أن أسأل عنه . خجِلًا وافقت وأخذته إلى ماكينة السحب لأدفع له المبلغ ” رغم انشغالي حينها ” لكن وعندما هممت بإعطائه المبلغ دفع بحركة دراماتيكية في يدي بالعبوة الثانية وأقسم أنهما الاثنتين بالسعر المتعارف عليه في السوق 25 ريالًا وأنه يُريد أن يعود إلى قريته وقد باع كل العسل ! . وضعني الشاب في موقف لا أُحسد عليه ليس بسبب حجم المبلغ بل بسبب حالة ” الابتزاز اللطيف ” التي أتعرض لها . من أعطى لهذا الشاب الحق في ابتزازي وبالطبع ابتزاز آخرين والتأثير على مشاعرهم بأي حجة كانت ؟هل كان يحق له فتح باب الأسئلة على مصراعيه برأس شخص مستعجل مثلي يتدور حول حقيقة ظروفه المادية التي جاءت به من قرية جبلية يبيع بسببها عسله في شوارع مسقط ؟

– من مسافة بعيدة سُمع صوت الشاب المرتفع الذي لم يخلو من التهديد والوعيد . شاب أتى بسيارته لعمل الصيانة الشهرية في الورشة الواقعة بمحطة الوقود .. بدا بالغ الحنق والتذمر لأنه اكتشف بعد تيقن أنهم لم يغيروا لسيارته ” البلكات ” وفلتر زيت المُحرك ” في المرة الماضية من الصيانة . قال الشاب الذي ارتدى بُنطال جينز وقميص يميل إلى الأخضر القاتم وقد جلب معه القطع التي لم يتم تغييرها وكأنه دليل إدانة قال للشاب المواطن مُدخل بيانات المركبات في الحاسب الآلي للورشة : ” هذا الفلتر والبلكات اللي ما غيرتوهن المرة السابقة .. تسرقوننا عينك عينك واحنا لك الله يا غافل .. هاذي المشكلة ما أنا الوحيد اللي يشتكي منها ” حاول الشاب موظف الورشة الرد عليه واقناعه بأنه مُخطىُ فيما يقول وأن الأمور تسير بصورة صحيحة لكن دون جدوى . فجأة تدّخل مسؤول الورشة الآسيوي ” الفورمان “وأخذ الشاب من يده وهو يبتسم ابتسامة مصطنعة إلى مكتبه الداخلي ويقول له بصوتِ خفيف حتى لا أسمعه ” سوري سوري ماي فرند يمكن نفر سوي مستيك “واختفى الحوار بينهما تدريجيًا خلف الجدران حتى عاد الهدوء إلى مكتب استقبال الورشة . وأنا أُسلم مفاتيح سيارتي للشاب العُماني قلت له ممازحًا “إياك تسوي مستيك وإلا تراضكم هيئة حماية المُستهلك ” .

– أطرى صديقي موظف المبيعات على السيارة المُخول له الترويج لها للمشتري المفترض القادم من بعيد ولم يترك حسنة من حسنات صناعة السيارات وتقنيتها الحديثة إلا وألصقها بها فقط لم يقل أنها تُحلق بقدرة قادر في السماء فتكون طائرة وتعبر المحيطات عندما تتحول إلى غواصة لكنني وعندما اقترحت عليه ” وأنا صادقُ “فكرة أن أشتري هذه السيارة العجيبة لما لها من مواصفات خارقة رد بكل بمحليته المعهودة ” نته نوبه صدقت الكلام بو سمعته ؟؟!!

نقطة أخيرة ..

نعم يمكنك الاستغناء عن العالم بأكمله عندما يمنحك الله سبحانه وتعالى محبته وبركته ويُهيىء له أناس مُخلصين يحبونك لأجلك .. لأجلك فقط .

المصدر : جريدة عمان