ماذا ينتظر اليمن بعد الهدنة الثالثة ؟!

الدبلوماسية العُمانية تنجح -وللمرة الثالثة على التوالي- في تأمين هُدنة اليمن الشقيق، هذا البلد الذي أرهقته الحروب والصراعات القبلية والمذهبية منذ عقود، بل منذ عدة قرون؛ إذ كان للجهود العُمانية الخيرة تأثيرها المباشر على جميع أطراف الصراع في اليمن لتجديد الهدنة التي بدأ سريانها لأول مرة في مطلع شهر رمضان المُبارك الماضي، أي قبل أربعة أشهر من الآن؛ فقد أشاد الرئيس الأمريكي جو بايدن بجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المعظم، وبالدبلوماسية العمانية الرشيدة التي عملت بدون توقف طوال الأسابيع الماضية للوصول إلى أرضية صلبة لإقناع أنصار الله الحوثي، والمجلس الرئاسي الذي يمثل شرعية الدولة في اليمن، على أهمية الالتزام بالهُدنة لشهرين قادمين.

لا شك أنَّ إشادة البيت الأبيض بالسلطنة لم تكن بالأمر الغريب، أو يفاجئ دول العالم، خاصة الأمم المتحدة التي تُدرك جيدا سجل هذا البلد العريق في إطفاء الحرائق، وحل الأزمات الصعبة على المستوى الخليجي والعربي والإقليمي؛ فالسياسة العمانية الخارجية أصبحت من النماذج التي تُدرَّس في الجامعات والمراكز البحثية، لواقعية هذه السياسة وحكمتها في الإقناع والثقة والمصداقية التي تتمتع بها القيادة العمانية ونهجها القويم في حل النزاعات الدولية.

فقد أكَّد جلالة السُّلطان هيثم بن طارق -يحفظه الله ويرعاه- عند توليه مقاليد الحكم في البلاد على الالتزام والاستمرارية في القيم والمبادئ التي أسسها السلطان قابوس -طيب الله ثراه- خلال عقود النهضة العمانية المتجددة، خاصة علاقة السلطنة بالعالم الخارجي، فقد انتهجت سلطنة عُمان منذ بداية سبعينيات القرن العشرين؛ العديد من المرتكزات في علاقاتها الخارجية، كحُسن الجوار والتسامح والسلام والانفتاح على العالم وعدم التَّدخل في شؤون الغير.

من هنا، حظيت عُمان بسجل حافل وسمعة دولية نادرا ما نجدها في هذا العالم المادي المليء بالفتن والانتهازية والبرغماتية؛ فمعظم حكومات العالم قد تخلت عن القانون الدولي والقيم الإنسانية، واستبدلت ذلك بالبحث عن المصالح والعمل على السيطرة على الضعفاء، وتهميشهم ونهب ثرواتهم، وانتهاك سيادة الشعوب التي لا تقدر أن تدافع عن نفسها، وجنحت للعنصرية المقيتة والقومية الضيقة؛ وخير مثال على هذا الكلام الذي يحدث على مرأى ومسمع العالم لبعض الشعوب المستضعفة في الأرض، كالشعب الفلسطيني ومسلمي الروهانجا في إقليم أراكان ببورما، وكذلك مسلمي الأويغور في الصين الشيوعية والحكومة الهندوسية في الهند التي استباحت حقوق وأعراض المسلمين الهنود لمجرد أنهم ينتمون للإسلام.

اليمن اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، إذا أحسنَّا إدارة الحوار الجاد بين الحكومة الشرعية وكل الأحزاب اليمنية بمختلف أطيافها بما فيه أمراء الحرب في الجنوب والشمال الذين عاثوا في اليمن فسادا وأحرقوا الأخضر واليابس من البُنى الأساسية اليمنية التي هي في الأساس تُعاني من ضعف في الخدمات الأساسية كشبكات الكهرباء والطرق والمرافق التعليمية في المدارس والجامعات؛ فكسب قلوب عامة الشعب اليمني وعقولهم يتمحوَر حول نشر ثقافة السلام، وتقديم المُساعدات الإنسانية الضرورية، وتنمية اليمن من جديد لنحفظ كرامة جيران الجنب ونبعث برسالة تضامن، مفادها أنَّ أمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية مرتبط باستقرار اليمن وازدهاره؛ فاليمن يشكل الحديقة الخلفية للخليج العربي وشعوبه.

إنَّ الشعب اليمني أنهكته الحروب التي لا تنتهي منذ بداية ستينيات القرن العشرين، وفقد أجيالا متعاقبة من المواطنين الشرفاء؛ فهذا الشعب العريق يستحق أن يعيش حياة كريمة وتضافر جهود العرب جميعًا، وعلى وجه الخصوص جيرانه في نقل اليمن من الفقر والجهل؛ إذ تصل نسبة الأمية في هذا البلد إلى أكثر من 60% من أفراد المجتمع إلى حياة جديدة يسودها الثقافة والعلم والرفاهية، ونخلص الناس إلى الأبد من الصراعات والخلافات القبلية والمذهبية التي كانت ولا تزال حجر عثرة في طريق تقدم اليمن السعيد.

إنَّ ما لا يريد أن يسمعه أبناء اليمن؛ هو تقسيم اليمن وتفتيته إلى دويلات ضعيفة كما هي الحال أيام الاستعمار البريطاني؛ حيث كانت هناك عدة مناطق نفوذ تحكم باسم سلاطين الجنوب اليمني؛ فالمرحلة القادمة يجب أن يكون عنوانها اليمن الموحد القوي بجميع أبنائه المخلصين، فلا مكان لأي طائفة أو حزب أو ميليشيات تزعم بأنَّ لها الحق في الانفراد بحكم اليمن بالقوة، دون انتخابات نزيهة بإشراف المجتمع الدولي والأمم المتحدة وفي إطار المبادرة الخليجية، كما أنَّه لا يُمكن أن يتحقق السلام العادل في اليمن إلا بتدخل حُكماء اليمن ومفكريها من العلماء؛ فالحكمة عبر العصور هي يمنية بلا منازع.

يجب تذكير الجميع بأنَّه قد حان وقت السلام ولا أحد في هذا البلد يُريد استمرارية الحرب التي تجاوزت سبع سنوات؛ فسياسة إقصاء الآخرين وتهميشهم قد تجاوزها الزمن وطوتها الأيام بلا رجعة.

وعليه.. ندعو من هذا المنبر أهل الحل والعقد في اليمن للجلوس إلى طاولة مُستديرة؛ وذلك للشروع في حوار جاد ومناقشة صادقة لتحقيق مستقبل مشرق لجميع أفراد الشعب بلا استثناء؛ فاليمن بحاجة لكل أبنائه المخلصين لطي الخلاف، وتصحيح المسار، وبناء شراكة وطنية، ولم الشمل، ومداواة جراح الماضي، والعبور بهذا البلد إلى المستقبل الواعد الذي يسوده العدل والديمقراطية والمساواة بين الجميع.

د. محمد بن عوض المشيخي – أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري