(من ذا الذّي لا يحبّ فاطمة؟)

نحن نحزن لأننا أحببناك وما زلنا نحبّك وما كان غيابك سيجعل من هذا الحبّ مندثراً بل ولن يُنزع هذا الحبّ من قلوبنا أبداً ما حَيِيْنا، نفتقد وجودك كثيراً بيننا ولا يزال وقع صدمة غيابك المحزن عابثة بمفعولها علينا رغم أنّنا نحاول جاهدين في قلوبنا وعقولنا الهروب من ألمِ حقيقتها الواقعة والصادمة، فيُناضل بعضنا كثيراً للتّعايش مع حزنه صامتاً دونما بيانٍ لعلامات وإشارات الحزن في وجهه وكلامه وأفعاله، فهناك منّا عندما نتذكّر ما كان يجمعنا.. نقوم ونحاول لا إرادياً النّظر بعيداً عن أحداث ذاك الشّريط السينمائي الحزين الذي يستفرد علينا بعضلاته رغماً عنّا مهرولين وهاربين عن القدر الذي كُتب علينا أن نعيشه، ولكن هيهات النّجاح في ذلك.
نعم بكلّ واقعيةٍ أقولها هيهات التوفيق في ذلك الشأن، نعم هيهات أن يستطيع أحدهم فعل ذلك وتركه بعيداً عن قلبه وعقله..، إنني أعترف بل وبكلّ صدق أيضاً أكاد أجزم بأنّه ربّما غيري مثلي قد يوافقني في الخضوع لهذا الشّعور بأننا نحن في الحقيقة لسنا نملك القوّة التي قد تَحُولُ بيننا وبين إخفاء الأحزان التي تعصر قلوبنا، وحتّى وإن ثابر وقام وإجتهد كلّ من أحبّك بإخفاء آثارِ وعلامات هذا الفقدِ والغياب التّي ألمّت بنا دونما إستئذانٍ، فإذا ليستمرّ حالي هكذا، وليستمرّ حزني الذي كلّما تذكّرتك في كلّ لحظة وأخرى أسأل نفسي..
(من ذا الذّي لا يحبّ فاطمة؟).
..
..منذ حدوثٍ تلك الصّدمة المؤلمة والمُهوّلة لقلوبنا التي فيها غادرتنا ونحن مذهولين، أضحت الأيّام تمرّ  رُغْماً عنّا وتتوالى تِباعاً مع إستمرارية هذه الحياة التي باتت عصيّة منذ تلك اللّحظة التي أوقعتنا فيما لم يسرّ أفئدتُنا ولم تتقبّله بعد عقولنا الباطنة  التّي لا زالت رغم الإيمان بالخالق تشكّ في حقيقة ما حدث لنا جميعاً بفجيعة فُقْدكِ عن يومياتنا وتغيّبك عن قادم اللّحظات الحاضرة والمستقبلية التي كم تمنيتها أنا وغيري سعيدة وجامعة لنا بك كما كانت، تمضي بنا السّاعات ورؤوسنا تكاد أن تكون فارغة من أيّ شيء سوى التفكير العميق بذلك الفراغ ومداه الذي سنعيشه دون وجودك  بيننا، وأنا كلّما حاولت المضيّ قُدماً في صمتي وهدوئي وجدت من يُفيقني عن واقعي مُجدّداً فيعيدني إلى ما أنا أمرّ به من ذكريات كثيرة، فنوعاً ما أجد بأنّني قد أجدتُ الحفاظ على رباطة هدوئي ولكن يبعثرني ذلك الصّدى الذي أسمعه كلّما نظرت من حولي، فتجذبني تارةّ وتتوّهني في تارةٍ أخرى تلك النبرات من صوتك الذّي دائماً ما كان هادئاً وراقياً وأنا أستمع إلى كلماتك في كلّ مرّةٍ كانت تجمع بيننا الأحاديث الوديّة، لقد أصبحت واقعاً تحت هيامٍ صامتٍ مع نفسي كلّما أتاني ذكرك من تردّد ذاك الصّدى الذي أُمني النفس فيه بألاّ يختفي أبداً ويغادرني كما غادرْتِنا، أنظر إلى هذه الجدران في المنزل فأجد في كلّ زاويةٍ من زواياه صوتاً يكلّمني عنك كثيراً، في تلك الزاوية هناك أراك جالسة هناك بهدوئك المعتاد وأراك تمسكين في كلتا يداك بطريقة إحترافية تلك الإبرة وذاك الخيط الملوّن وبينهما ذاك القماش الأبيض النّاعم الذي سينتهي به إلى أن يكون لوحة جميلة من الزّهور الجميلة كجمال روحك، أراك في تلك الزاوية تطلبين منّي إبداء الرأي في تلك اللوحة التي لم تنتهي بعد وتدرّج ألوانها الخضراء والحمراء والزرقاء في ذاك القماش، ويمرّ كلّ ذلك أمامي خِيالاً جميلاً وما أن تنتهي تلك اللّحظات إلاّ وأسأل نفسي..
(من ذا الذّي لا يحبّ فاطمة؟).
..
الحياة يجب أن تستمرّ ..الحياة يجب أن ستستمرّ، هي من الجمل التي دأبنا على سماعها عند فقد الأحباب وفراقهم، وهي نفس الجملة التي سمعتها عند كلّ من أتى إلينا معزّياً، نعم هي سنّة الحياة تقف صامدة تنادينا للخضوع إلى الحكمة الرّبانية في خلق الحياة والموت، تقف كشجرة اللّيمون الشّامخة هذه عند مدخل دارك، تلك الصامدة والباهية صيفاً وشتاءاً أصبحت صديقتي المواسية، وهي التي باتت كلما نظرت إليها أسمعتني أصواتاً تحدّثني عنك كثيراً، فقد بتّ أسمع حفيف أوراقها الخضراء وهنّ باكيات بصمتٍ مثلي، وبات كلّ ذاك الهمّ والحزنُ الأليم الذي يُشاهدُ في أوراقها تلك المنحنية والساقطة لحناً صامتاً يصل صداه إلى أُذُناي، بتّ أرى تلكما اليدان الكريمتان وهنّ تقطفان حبّات من اللّيمون المُخضرّ من على الأغصان التي تأبى إلاّ أن تنحني أمام كلّ سيدةٍ وأُمٍّ فاضلة مثلكِ، أرى أصابعك تقطف من ذاك اللّيمون غير مبالية بتلك الأشواك الصغيرة الخافية في هذا الغصن وذاك الآخر هناك، أشاهد كثيراً شجرة اللّيمون تلك وأسأل نفسي..
(من ذا الذّي لا يحبّ فاطمة؟).
..
الشّوق وكيف هو سيعلم عن ذلك الشّعور من لم يشتاق ويفتقد أحبّة له غيّبتهم بعد المسافات الطويلة بأميالها، الشّوق وكيف هو سيعرف عن ذلك الوصف من أضحى دون ذكرى تأتيه بخيالِ لخليلٍ قد غادره مع وعدٍ بلقاء في المستقبل القريب، الشّوق وما أدراكم جميعاً بشوقٍ لمن أحببناه فغادرنا ولن يعود أبداً إلينا، شوقٌ لمن فارق دنيانا وحياتنا فيجعلنا غيابه نعصِرَ أعيننا بكاءاً حتّى باتت تنهمر من أبصارنا أنهاراً من الدّموع، ذلك هو حال الشّوق الذّي يبدّل من حال ملامح وجوهنا فيبدّل من فرحِها إلى حزنٍ وعبوسٍ شديدٍ للدّرجة التي تُكتَمُ في نبضات قلوبنا الآلامٌ الشِّداد، تشتاقُ العينَ إليكِ وكأنّها لم تشتاق من قبل، وتشتاق الأذن إلى صوتك حتّى بات صدى صوتك وهماً جميلاً تستقبله أذناي فتبكي عيناي كثيراً، أتحدّث عن الشّوق فتتمنى عيناي شُرْبة شايٍ أو قهوة من صنعِ يداكِ، أتحدّث عن الشّوق فتظهر أمام عيناي كلّ الهدايا التّي كنت تهدينها لي بمناسبة أو دون مناسبة، وكلما تهيم إليّ بعضاً من تلك الخيالات عنك أتذكّر تلك الرّوائح العطرية من دهن العود الذي كان هديةً شهرية لي فبات العود لا يرافقني بسبب كرم يداك وصفاء روحك العطرة، أتذكّر الكثير والكثير من الأمور والأحداث..، وكلّما تذكرت إحداها وإشتقت إليك..هام سؤال وحيد في نفسي..
(من ذا الذّي لا يحبّ فاطمة؟).

فؤاد آلبوسعيدي
[email protected]

#عاشق_عمان

زر الذهاب إلى الأعلى