أتمتة الأعمال

منذ مُدة طويلة شرعت الحكومات والمُؤسسات حول العالم في التحول نحو بيئة الأعمال الرقمية وتنافست المؤسسات الحكومية والخاصة في تقديم أفضل الخدمات والمُنتجات لعملائها، ولدينا كذلك في السلطنة الكثير من المؤسسات اشتغلت مبكراً على منظومة خدمات إلكترونية لعملائها.

لقد مررنا بالعديد من مراحل التطور التقني المرتبطة بالخدمات والمنتجات كإعادة هندسة الإجراءات الإدارية وإدارة الجودة الشاملة وتحسين بيئة الأعمال وجميع هذه المراحل شهدت تطورًا ملحوظًا إلا أنها جميعها تدخل ضمن مصطلح الأتمتة الذي يـُعّرف على أنه تحويل إجراءات العمل اليدوية إلى عمليات إلكترونية عبر استخدام برمجيات ويب متطورة وإدارة المعلومات.

الموسوعة الحرة “ويكيبيديا” قد عرّفت الأتمتة Automation على أنَّها “مصطلح مستحدث يـُطلق على كل شيء يعمل ذاتيًا دون تدخل بشري”، وتُعتبر أتمتة الأعمال هي الخطوة الأولى لأيِّ عملية تحول رقمي ومن فوائدها الاستغناء عن كل ما هو ورقي وتجنّب العشوائية والاجتهادات الفردية والتباين في تقديم الخدمات بين ذات فروع المؤسسة وكذلك الاستفادة من المعرفة الكبيرة التي تحصّل عليها الكثير من الكفاءات من خلال البرامج التدريبية والخبرات المُتراكمة وتجد عزيزي القارئ أن أحد الموظفين في مؤسسةٍ ماء يُقدم لك خدمة بشكل سريع ومريح وتجد آخر يُعقّد لك الأمور ويتذّرع بنواقص وعلل ما أنزل الله بها من سلطان وتأتي الأتمتة لتكتشف المعرفة التي لدى هذه الكفاءات وتجمعها وتنظمها وتصنفها وفقاً لأنواع الخدمات لأجل تطبيق أفضل الممارسات عند تقديم الخدمة الإلكترونية للعملاء.

وتساهم الأتمتة في زيادة الإنتاجية من خلال الاستفادة من نظم المعلومات المتطورة في عملية التحول والتي تتطلب حصراً لكافة العمليات اليدوية أو الإلكترونية البدائية والعمل على مراجعة هذه الإجراءات والاستغناء عن الإجراءات الثانوية التي لا يُشكل حذفها أي تجاوز لقانون مُعين ويتطلب تقليص خطوات وإجراءات العمل بشكل كبير لأجل تقديم خدمات سريعة وهذا يتطلب إعداد دورة مُستندية إلكترونية تجعل من المشرف أو المسؤول مُطّلعاً على حركة سير المعاملة وفقًا لخطوات ووقت الإنجاز، وهذا ما يُطلق عليه إعادة هندسة الإجراءات الإدارية، وفي كل الأحول فإنَّ الموضوع لا يتوقف على عملية التحول إنما يتطلب من الوحدة أو المؤسسة تشكيل إدارة أو فريق للتغيير مختص بمراجعة هذه الخدمات وتطويرها وفقًا لمُتطلبات العملاء وتحديثات برامج ونظم المعلومات  لأجل ضمان استمرارية كفاءة الخدمات المقدمة.

ويجب الاهتمام بالكادر من خلال إقامة ورش العمل وتقديم التدريب اللازم ليتمكن مُقدم الخدمة من القيام بمهامه بكفاءة وجودة عالية ولكي لا يتعلل بتعطل الأنظمة والمشكلة في الأساس عدم الإلمام بالاستخدام الصحيح للتقنية التي بين يديه، حيث إنه يُعتبر واجهة أي مؤسسة ويُعد أحد مؤشرات جودة الخدمة للمؤسسات التي تقيس رضا العملاء بشكل مُستمر، كما أنَّ عدم الاهتمام بالموظف مقدم الخدمة سيساهم في فشل عملية التغيير حتى لو استخدمت المؤسسة أفضل تقنيات الأتمتة الرقمية.

وللأتمتة دور فعّال في إنجاز الأعمال ضمن بيئات العمل الخطرة؛ حيث ساهمت في عدم دخول البشر إلى المصانع التي تكون فيها درجات الحرارة عالية أو درجة الخطر على البشر مرتفعة فنجد أنَّ هناك عمليات تصنيع وإنتاج مُغلقة ومؤتمتة إلى حد كبير، وما جائحة كورونا إلا أفضل مثال لنا؛ حيث كانت لدينا مؤسسات لديها جاهزية مسبقة لم تتوقف خدماتها وعمل موظفوها عن بعد، كما أن الأتمتة تتميز بأنها لا تخضع لأية عوامل خارجية فهي لا تتسرب من العمل ولا تغيب وهي أيضاً لا تكل ولا تمل حيث إنها تعمل وفق برنامج مكتوب بلغة برمجية معينة تخرجها الآلة أو أنظمة تقنية المعلومات للجميع سواسية بدون أدنى تجاوزات أو استثناءات.

ومن منطلق استراتيجية “عُمان الرقمية” ساهمت الكثير من المؤسسات بالسلطنة في عملية التحول الرقمي كما وتقوم باستمرار بتطوير عملياتها الإلكترونية وفقاً لرؤية “عُمان 2040″، إلا أنه لا تزال هناك جهات وإن بدأت فإن أتمتة عملياتها لم تكن بذلك المستوى الذي ينشدهُ متلقو الخدمة ونحن هنا نتحدث بصفة عامة ويجب على المؤسسات المتأخرة ضرورة استخدام الأتمتة الذكية في عملية التحول الرقمي، كما لابُد لها أيضًا من استخدام منصة التكامل للخدمات الحكومية لأنها تغني طالب الخدمة عن اصطحاب حقيبة مستنداته أينما ذهب وهذه المنصة تُمكّن المؤسسات من تبادل أية بيانات فيما بينها في سبيل إنجاز معاملات المواطن والمقيم.

ليس هناك تخوف من أتمتة عمليات المؤسسات فهي لن تلغي الوظائف بشكل عام إنما ستفتح المجال لتمنح الكادر وقتاً كافياً للمراجعة والتطوير وستفتح مجالات أوسع لتوظيف مهندسي ومبرمجي تقنية وأمن المعلومات ومطوري الخدمات والمنتجات، ولدينا مثال على أجهزة الصراف والإيداع الآلي حيث تجد موظف المحاسبة بالبنك موجوداً على منضدته لتقديم الخدمة وتجد فريقا آخر يعمل ميدانيًا على تزويد الآلات بالأوراق النقدية.

على أية حال.. فإنَّ أتمتة العمليات يقوم على إنشائها الإنسان ولا يمكنها أن تحل محله بل تساعده في التطوير والارتقاء بالخدمات التي تتسم بالسرعة والكفاءة والجودة والاستمرارية والتي ينشدها متلقو الخدمة.

أحمد بن خلفان الزعابي

زر الذهاب إلى الأعلى