الحفلة

حين نظرت إليه من الخارج حسبت أنه حجر كريم مغمور بصفاء السماء وحدثت نفسي بأن الشمس لا يمكن أن تغرب عنه ، تخطيت عتبة باب زجاجي وفضاءات عميقة بالداخل تدعوني لاكتشافها بشغف محفوف بالخوف ، ما ألطف هؤلاء القوم يستقبلون الزائر بمداعبات وابتسامات رقيقة وكأن بينهم مودة والفة لا ادري هل حقيقة تنبع من الأعماق أم هي مصطنعة دافعها تأنيب الضمير ، لا ريب أنهم يبالغون في ذلك ، ما تبقى من تفاصيل هو عبث … فقد جلست على طاولة هي تحفة الصانعين وأغرقت جسدي في مقعد مريح كحجر يغرق في لجة بحر ، أي نوع من الشراب نقدمه لك ؟ عصير البرتقال من فضلك، أجبت النادل بتلك الكلمات ورحل عني مضطربا ، وقد تلاشى جسده بين الطاولات وأنفاس الحاضرين وتعلو وتهبط متناسقة مع حرارة الإيقاع الموسيقي ، وتزين الإيقاع أنوار تتجسد فيها كل ألوان الطيف تكون خافتة في جهة وساطعة في جهة أخرى ، وفي مكان آخر تتناغم مع الإيقاع ، الكل يضيع في حمى الرقص ، كالدرويش في حلقات الذكر . فجأة وجدت نفسي أقضم شفتي السفلى وأنا اتفحص تلك الهالة التي تستفز مشاعري لأظل مشدودا في تبلد كالتمثال وقد بدأت فقاعات من الصمت تغمر المكان وصوت الموسيقى ينساب كجدول ماء صاف في صحراء قاحلة لأسبح معه في وجد وهيام ليصفو قلبي وتنحل أساريري ، مرحى للموسيقى ولمخترع الآلات الموسيقية ، وأضيف عليها العازفين وذلك الحالم الواقف أمامهم وهو يحرك يديه صعودا وهبوطا وقد بدأ جسده يهتز كأوتار العود أو كشخص أصابته نزلة برد في هذا الصيف الذي تنزف فيه الحجارة عرقاً ، الكل يلهو يحتفل حسب إحساسه والنادل المسكين لا يعرف إلى أي طاولة يتجه ، أما أنا فأشعر برغبة في العزف على تلك الآلات وفي ارتشاف شراب هو لذة للشاربين ، ما ألذ تلك الهالة التي تتلوى ، أتأمل في صمت انحناء خصرها وتلك الثورة التي تموج على الصدر كعاصفة آتية من أعماق بحر ثائر ، أهرب إلى جسدها عبر خيوط الدخان المتصاعدة من أفواه عطشى لا يرويها غير الظمأ إلى تلك السيقان المفصلة ، تعالي أغسليني بجحيم قهقهتك ، وكوني سبيتي بدون معركة ، كنت أتوق إلى تلك الومضة ، وبالرغم من تثاقل أهداب عيني طفقت أمازحها وأشاكسها بطريقة جذابة غير مألوفة ، وصوت الموسيقى يأسر القلوب ويداعب الآذان ، في هذا المكان لا تسمع غير مصطلحات سوقية لا تخلو من ثرثرة شاعرية ليصبح النبلاء فريسة لذلك الجسد المتموج الذي انتزع جلده ببساطة ليسقط الجميع وقوفا ، وضباب كثيف يمر أمام عيني ، هذا الليل به ضجيج وصراخ وأفواه جوعى ، وأنا ما زلت في ملجىء أغازل ذلك الحالم وأمني نفسي بالتنزه في ذلك البستان الواسع ويطيب لي التأمل ، بعثرت ما تبقى من بصري في هذا الجسد الأملس كله وميضا وبهرجة وهو ينسل بين الطاولات ، وآهات الاعجاب تلاحقه ممتزجة برائحة غريبة تنبعث من الزحام ، لو كانت تلك الناضجة تعلم مقياس درجة الحرارة التي تنبض في صدري لما تجاهلتني وذهبت إلى شخص آخر بينما الرغبة الملحة تراودني ، اللعنة عليك أيتها الأفعى لماذا لا تأتين إلي وتقرصيني على خدي الأيمن كتلك التي حظى بها ذلك التمثال الجالس بجواري ، لماذا تزحفين بجسدك المتناثر صوب تلك الأصنام البشرية مثل كلب مسعور يبحث عن ضحية يغرس فيها أنيابه ، آه ، تبا لصوت الموسيقى بدأ يحطم جمجمتي ، إني اكرهه في الساعة واللحظة فهو لا يدعني استمتع بهذه الافعى التي تمضي مختالة في مشيتها مثل الطاؤوس ، وتزينها نياشين الزهور ، متجهة ناحية ذلك الأبله الحالم ، متجلجلة في الخطو ومن خلفها تهدر الأصنام بالتصفيق والصفير وبعضها يفضل العواء والخندريس راهن ، لأغرق في هذه المتاهه ويمر عبر دمي صوت الموسيقى مجلجلا كالرعد والألم يمزقني سأكسر تلك الآلات المتسلطه أو أفصل رأسي عن جسدي ، أموت في بطىء وتلك الأصنام البشرية غير آبهة بي ربما وحدي فقط من أصبح لحن نشاز في هذا الحفل ، ولكن ماالذي جاء بهذا الملتحي إلى هذا المكان الأ يفترض به أن يكون الأن واقفاً امام المصلين يؤمهم للصلاة ، ربما جاء ليلقي إحدى مواعظة على هؤلاء البشر ليحثهم على ترك على ما هم عليه من مجون ، لكن يبدوا لي أن ابتسامته الماكرة ونظرته الخبيثة إلى تلك الأفعى لا توحي بوجود نية سليمة في نفسه ، فأنا أبصره من بعيد ينهض من مقعده ويهدي تلك الراقصة باقة من الزهور ويتلمس الأماكن المقدسة من جسدها الأملس ، ويتلذذ ما على الطاولة من الشراب ويقول في نفسه إنها لذة للشاربين ، ربما في خطبته القادمة يحدث المصلين كيف استطاع أن يخرج تلك الأفعى من الضلالة إلى الهدى ، لقد أصبح الاستسلام لهذه الافعى هو أقصى درجات المقاومة عند تلك الأصنام ، أشعلت عود الثقاب ، نفثت كومة دخان ، أموت في كل ساعة مائة مرة ، وأنا أحدق في كل شيء ببلاهة شديدة غير مبال بما يحدث من حولي ورغبة أخرى تنتابني في إطلاق رصاصة على جمجمة ذلك الأبله الحالم ، لا تحدقون الي هكذا وكأنني آت من عالم آخر ، ألا تسمعون عويلا مبحوحا يتردد صداه في أروقة هذا المكان ، ذلك جزء من آثار شقاء السنين التي وضعت بصماتها على ملامح وجهي الأشيب وتقاطيع هيكلي العظمي ، لأمضي مبتعدا عن ذلك المكان وقد أخذت عليه عهدا بالوداع ودفنت اللعنة المنصبة على تلك الليلة في جسد تلك الأفعى .
خرجت مسرعا ، ابتعدت مسافة ليست بالقصيرة عن مكان الاحتفال ، أدخلت أصبعي السبابة في حلقي لأتقىء كل قطرة احتسيتها .. ثم رفعت رأسي إلى السماء متمنيا المعراج إليها، ليقول الناس بعدها ، كان رجلا لطيفا … وإنا لله وإنا إليه راجعون .


بدر بن عبدالله بن حبيب الهادي
#عاشق_عمان

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى