يمكن أن يتحدث المرء في السياسة بلا توقف أو حدود ، لأن بحرها عميق وتجتاحه الأنواء والمتغيرات المتتالية ، وحتي عندما يجف ذلك البحر ، ويتحول إلي مستنقع صغير من المياه الضحلة ، فأنه يظل متاحا للسباحة أو ” البلبطة ” ، ويمكن للمتقعرين طول الوقت أن يجدوا في قوانين الطفو ما يسمح لهم بالبقاء علي السطح يرتفعون كلما ارتفع الموج وينخفضون كلما انخفض ، بل ويمكنهم السكون إذا سكن .
لذلك لا يصعب العثور علي ” خبراء استراتيجيين” علي كل لون يرشرشون ماء السياسة أو الحياء في كل اتجاه ، أو يسبحون كالطحالب علي سطح السلطة السياسية يفسرون ويبررون، حتي وإن قالوا الشئ وعكسه .
أما بحر الإقتصاد فهو أشد عمقا وغموضا، رغم أنه لم يسلم من بعض ” الاستراتيجيين ” سالفي الذكر ، حيث يمكن أن يتهور أحدهم فيعلن عن أن العمل يجري علي قدم وساق لتوليد الكهرباء من حركة ذيول الكلاب والقطط في الشوارع ، أو استخراج البنزين من لحاء بعض الأشجار ..الخ. إلا أن الغالبية العظمى من دهاقنة السياسة يحرصون علي تفادي التورط في هذا الموضوع العويص.
وغني عن الذكر مدي الارتباط اللازب ما بين السياسة والاقتصاد ، وأهمية أن يلم المسئول بقدر وافر منهما كرصيد ابتدائي للعمل العام ، مع أهمية إدراك أن كلاهما علمان ، يحتاجان إلي درس وتحصيل ووعي.
هناك من يتحدث بحماس عن ” الاقتصاد الحر ” ثم يطالب بالسيطرة علي الأسعار ، دون أن يدرك أن الاقتصاد الحر يعني بإختصار تحرير الأسواق من تدخل الدولة ، وإلغاء الدعم ، وكذلك كل البرامج الإجتماعية ، بحيث يتم الإعتماد فقط علي يد خفية تعمل علي تحقيق التوازن في الأسواق وفي المجتمع.
وهناك من يذهب إلي جانب آخر ، فيطالب بخصخة القطاع العام ، مع الإبقاء علي الإقتصاد الإشتراكي في شكل الإبقاء علي الدعم ، وضمان كفالة الدولة لبرامج إجتماعية تشمل قطاعات استراتيجية مثل التعليم والصحة .
وقد حاولت بعض الدول أن تتبني نظاما ثالثا يجمع بين النظامين السابقين ، علي أساس تلافي عيوب كل نظام والاستفادة من مميزاته ، بما يمكن أن نطلق عليه اسم ” الإقتصاد المختلط ” أو ” الهجين ” Hybrid Economy ، ولكن فاتهم أن الليبرالية الجديدة في نظرية الدولة الحامية لا تقبل بأدنى تدخل للدولة في الإقتصاد ، بينما يؤمن الإشتراكيون بأن الحرية المطلقة لرأس المال تعني مباشرة نشوء أوضاع استغلال تترتب علي علاقات الإنتاج نفسها .
أي أن تلك الأفكار والتطبيقات لنظرية الإقتصاد المختلط أو الهجين تشبه في حقيقة الأمر محاولة قيادة حصانين ينطلق كل منهما عكس اتجاه الآخر .
ولكي لا تكتفي المجتمعات بقوانين الطفو التي يبشر بها سدنة الفضائيات من الخبراء الإستراتيجيين ، فمن الضروري التمسك بالعلم حتي تتفادى تلك المجتمعات حتمية الغرق في بحور التيه العميقة
معصوم مرزوق







