عاد فينسينت للمنزل في السادس من ديسمبر/كانون الأول 1883، عقب عامين من الغياب بعدما طرده والده في ذروة معركة كلامية كالتي تحدث في كل بيت. كان الترحيب بعودته باردًا يومذاك. فكتب خطابا لأخيه ثيو يشكو له الوضع، وافتتحه قائلا “قلبي مكسور”.
وأضاف في خطابه “إنني أشفق على أبي وأمثاله، أنا لا أجد قلبي ساخطا عليهم حتى، أنا متأكد أنهم أكثر تعاسة مني. إنهم يستخدمون حتى الخير فيهم بأسلوب خاطئ فيصير شرا. ذاك لأنه حتى النور في نفوسهم نور أسود ينشر الظلام والكآبة”.
هذا ما كتبه فينسينت لأخيه ثيو في اليوم التالي، السابع من ديسمبر/كانون الأول 1883، مُتحدثًا عن والده الذي كان سببا رئيسيا في سقوطه ضحية لاضطراب ثنائي القطب، الذي دفعه في النهاية إلى الانتحار. فان غوخ ليس وحيدا في هذا الصدد؛ فتاريخ العنف الأسري في حياة المبدعين يضم في طياته صفحات وصفحات من القصص المأساوية والحزينة.
آلام لمدى الحياة
عانى الفنان الراحل إدفارد مونك من نفس العذاب النفسي على يد والده الذي كان عنيفا ومتهورا ومدمنا على الكحول. ولد مونك في النرويج عام 1863، وتوفت أمه وهو طفل لم يعرف عنها شيئًا. وعاش في منزل رديء التهوية والتدفئة حتى مرض هو وأخته.
كان لا يتلقى أي رعاية صحية، وكذلك أخته بالطبع، وأصيب بالربو والتهاب الشعب الهوائية جراء ذلك. عانى الكثير من الصدمات النفسية التي جعلته عاجزا عن استيعاب وحشية أبيه الذي أيقظه في منتصف الليل وهو طفل ليشاهد أخته وهي تموت.
ونرى في “الصرخة” و”الخراب” و”القلق” وغير ذلك من أسماء لوحاته المأساوية انعكاسا واضحا لحجم المعاناة والاضطراب النفسي الذي دفعه في النهاية للانتحار هو الآخر، إلا أن محاولته باءت بالفشل، فقضى أسابيع وشهور يتردد على المصحات النفسية ولكن بلا جدوى. عانى مونك طوال حياته من انهيارات عصبية حادة وحاول الانتحار مجددا بعد ذلك.
“أتذكر أنني لطالما عانيت من شعور عميق بالقلق وقد حاولت التعبير عنه دائمًا في فني”. إدفارد مونك
عائلة من المسوخ
عانى الرسّام البلجيكي الشهير جيمس إنسور (1860-1949) من نفس الوضع مع عائلته التي سببت له قدرا كبيرا من الأذى النفسي والصدمات، التي ظهر صداها إلى أبعد حد في لوحاته. فقد استوحى إنسور المسوخ والهياكل العظمية والأقنعة التي تكرر ظهورها في أعماله من أفراد أسرته أنفسهم. وكانت لوحاته التي جعلته رائدا من رواد الفن الحديث في حقيقتها صرخات استغاثة لإنسان معذب.
نشأ إنسور في أسرة مضطربة، فلقد كان والده عاطلا عن العمل وغير مستقر عقليا ويعاني من عدة أنواع من الإدمان، ومن أبرزها الكحول والهيروين. في المقابل، سعت أمه جاهدة لإعالة الأسرة لكن كانت وظائف النساء في ذلك الوقت محدودة وقليلة العائد فاضطرت للعمل في عدة وظائف.
عاش أفراد الأسرة بسبب ذلك في فقر مدقع، وعانوا من حالة صحية سيئة بسبب سوء التغذية. فالفقر والجوع وغياب الأم الدائم بسبب العمل وعنف الأب الغارق في الإدمان أدى في النهاية إلى عائلة مهشمة ومحطمة نفسيا. وكان إنسور نفسه نحيلا لدرجة إنه فيما بعد كان يرسم نفسه وأسرته في هيئة موحشة كأنهم عفاريت أو مسوخ.
ويظهر في لوحته “هياكل عظمية تتقاتل على رنجة مخللة” (Skeletons Fighting Over a Pickled Herring) آثار البيئة المدمرة التي نشأ فيها حيث تهشمت العلاقات الأسرية تحت عجلات القتال الدائم على أي طعام يصل المنزل. قدم إنسور الهياكل العظمية نفسها بأسلوب غولي -نسبة للغيلان- وهو الأسلوب الذي اشتهر به. واستخدم ألوانا حارة وجريئة للتعبير عن صخب الأحداث والمشاهد.
لوحة هياكل عظمية تتقاتل على رنجة مخللة (مواقع التواصل)قصص لا تنتهي
المآسي التي عاشها الكثير من المبدعين، وكان لها أبلغ الأثر على حيواتهم الفنية، كانت عاملا رئيسيا أيضا في إصابتهم بأمراض عدة، مثل الاكتئاب واضطراب الوسواس القهري واضطراب ثنائي القطب والقلق المزمن والميول الانتحارية وغير ذلك، وهي مظاهر مختلفة لنفس العرض. حيث يدمر الكثير من الأهالي أطفالهم في سن صغيرة؛ وتبدأ المأساة من الأسرة المؤذية والعلاقات العائلية المدمرة. والقصص في هذا السياق لا تنتهي.
الآثار بعيدة المدى للإيذاء البدني والعنف الجنسي هي ما دفعت الأديبة العملاقة فيرجينيا وولف للانتحار عام 1948، في إحدى نوبات الاكتئاب العاتية التي كانت تعصف بها من حين لآخر بسبب التحرش الجنسي الذي تعرضت له على يد إخوتها غير الأشقاء ولم تستطع الإفصاح عنه إلا في مذكراتها الشخصية عام 1939، بعد أن لمحت له عام 1920 في إحدى الخُطب.
وذكرت وولف صراحة أن أخاها غير الشقيق جيرالد دكوورث كان يتحرش بها، وذلك بعد وفاة والدها في عام 1904 حيث افتقرت للحماية. كما تعرضت هي وشقيقتها فانيسا بيل للتحرش على مدى 5 سنوات من أخيهما الأكبر غير الشقيق جورج. وكان الأخوان جيرالد وجورج دكوورث أبناء جوليا جاكسون -والدة فيرجينيا وولف- من زوجها الأول.
كان البيت الذي نشأت فيه وولف يضم 8 أطفال غيرها، منهم الأشقاء ومنهم غير الأشقاء، وبين جدران هذا المنزل، مثل كافة المنازل الآنف ذكرها، عاش أطفال سنواتهم الأولى في بيئة سامة يستشري فيها العنف اللفظي والبدني والتحرش كسرطان. كانت وولف تفتقر إلى مساحة خاصة بها لا ينام فيها غيرها. وهذا بالتحديد ما ظهر في كتابها “غرفة تخص المرء وحده” الذي سلط الضوء على تداعيات الأجواء الأسرية المدمرة التي نشأت فيها بعد وفاة والدها.







