إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

"لكن" المخيفة، و"الإيجابية" التي تحمل كل السلبيات

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • "لكن" المخيفة، و"الإيجابية" التي تحمل كل السلبيات


    كان اليوم طويلا .. الساعة تمر ببطء شديد، مرعب جداً كم الشعور الذي عشته بالأمس، ومرعب أكثر ما رأيته خلال ساعات.. فجأة فقدت الشعور بالجوع والعطش، ما كنت اتذكر إلا من تذكير والدي وأخي وزوجته وخالاتي. فقدت الشعور بالتعب والألم، ما شعرت إلا بالخوف وبطء الوقت، وكنت اتمنى أن يكون ما أعيشه كابوس. صعب أن تعيش لحظة يقول فيها الطبيب عن حالة تتوقعها بسيطة إلى أنها حالة بحاجة إلى إسعاف طارئ ونقل للمستشفيات المرجعية، الأكثر رعبا أن يخبروك أنهم في انتظار مستشفى يرد على توفر سرير واستقبال المريض.. وتمر الدقائق ببطء لتكمل ساعة وأنت تفقد الأمل، ويبدأ اليأس يتسلل في داخلك، خاصة وأنت تعرف عن الوضع وتشاهد الأرقام وتسمع عن امتلاء المستشفيات. تسأل عن خيارات أخرى ويخبروك بخيار مرفق به كلمة "لكن" .. ساعة ونصف أو ربما يزيد إلى أن تلقينا رد بقبول الحالة في المستشفى السلطاني، تستعد بكل ما أوتيت من قوة، تتماسك ، تحاول أن تبدوا بمظهر القوي وفي أول لحظة يخبرك الطبيب: "لا يمكن لمرافق الدخول لسيارة الاسعاف" ، مؤلم الشعور أن تترك من تحب يغادر دون أن ترافقه وتكون بقربه.. مؤلم جدا. كنا خلف سيارة الاسعاف، ولكن فكرة "الاسعاف" بحد ذاتها مخيفة. تصل إلى الوجهة المقصودة، ويعتصرك الألم، تدخل للطوارئ وتصر على مرافقة المريض، تُطرد ولا يمكنك أن تجادل لأن ما تراه غير طبيعي .. ٣٠ عاما ما رأيت في حياتي عدد سيارات الاسعاف مثل ما رأيتها بالأمس، ولا أذكر (وأنا قد اعتدت لسنوات في حياتي أن اتعالج بالطوارئ) بأني رأيت يوما كم المرضى في الحالات الحرجة وهم يُسعفون في آن واحد.. كان الوضع أشبه بالقيامة، الكل يتحرك هنا وهناك، وأصوات دون توقف لكن لا تعي ما تسمع.. مرافقو المرضى يترقبون.. الساعة تتحرك ببطء ، وفي نفسك تتمنى لو أن ما تعيشه كابوس لا حقيقة. لم أتوقف عن السؤال وعن المحاولة للدخول، رأيت أمي من بعيد .. شرح لي طبيب القلب خطة العلاج المتبعة وأضاف "لكن".. هذه الكلمة مجدداً .. كانت مخيفة جدا بالأمس، مخيفة إلى حد الموت.. يقول الطبيب .. لن تُنفذ خطة العلاج إلا بعد نتائج فحص كوفيد-١٩ ، ويختفي.. تنتظر وتسأل، وبعد وقت طويل (قد لا يكون طويلا ولكن شعوري بالدقيقة بالأمس كانت عن ساعة) تأتيك إجابة من ممرض يقول لك فحوصات الكوفيد بعد ساعتين. كنت اتمنى لو أن عقارب الساعة تستجيب لأمنياتي وتتحرك بسرعة، لأنني فجأة شعرت بتوقفها. لم يكن الوقت يمضي.. وكنت في لحظات أشعر بدقات قلبي وصلت إلى حلقي وأنها تقترب من الخروج من فمي.. لم يكن بشعور المرض، ولكنه الخوف والرعب، وطول هذه اللحظات لم تتوقف سيارات الاسعاف من الوفود محملة بمرضى لم تكن ابدا حالتهم سهلة. أمي لم تشكو سوى بألم في البطن، وتفاجئك التقارير الطبية بمشكلة في القلب. أمي بالامس وحتى الليل كنا معا ما شكت سوى عن حمى خفيفة.. مرت ساعتين وركضت مع الراكضين حتى أعرف نتيجة الفحص وفي كل حين نسأل "النتيجة بعد" ، وفجأة مع ازدياد الحالات يصدر قرار بإخراج كل مرافقي المرضى من المكان .. "انتظروا في الخارج" - هكذا قيل لنا. خرجنا وفي الحر، وما شعرنا بالحر من الرعب والخوف .. خرجنا ولكن ما تركت فرصة للدخول ومحاولة رؤية أمي. أكملنا ساعة إضافية ونحن ننتظر النتيجة، الكمام الذي يخنق ولا اتحمله عادة، بالأمس تحملته دون شكوى وقد بدلته أكثر من مرة، وعوضا عن كمام كمامتين معاً، ولو تمكنت لارتديت أكثر. جاءت النتيجة، كانت "إيجابية" - لم أشعر بمدى سلبية هذه الكلمة مثل الأمس، كانت ثقيلة.. ثقيلة جدا علينا.. ساعات أخرى في انتظار أن يطمننا طبيب القلب ماهي الخطة العلاجية الآن بعد هذا التطور؟! .. للعلم أمي لم تشكو من أعراض كوفيد ولا أنا أو والدي- كنا قد أكملنا جرعات اللقاح كوننا من الفئات المستهدفة (والديّ لسنهما وأمراض مصاحبة - وأنا لوضعي الصحي)، كانت النتيجة غير مفاجئة لأنني اكملت الأسبوع وأنا أناقش هذا الموضوع مع والديّ - لكون حدثت إصابات مؤكدة بين أخوتي ونحن معهم في البيت - حجروا أنفسهم في غرف وانحجرنا نحن في البيت- أكملنا الشهر، تتعافى حالة وتصاب أخرى دون أن تظهر علينا أية أعراض. مرت ساعات ولا طبيب يخبرنا ما الجديد، ولا يمكنني أن أجادل أكثر ، فما أراه أمام عيناي مخيف جداً .. كأنها القيامة، أصوات بكاء، مرضى يتوافدون دون توقف.. أصوات أجهزة المستشفى التي لا تتوقف .. فجأة شعرت برائحة الموت في المكان، هذه الرائحة علقت في ذاكرتي حينما كنت في الصف الخامس وتوفي خالي- لا أعرف وصفها - أذكر مرة كنت أحدث أمي عنها، لا تشبه أي رائحة أخرى.. هذه الرائحة ما شممتها إلا في الموت، هذه الرائحة كانت موجودة حينما توفي جدي.. كانت موجودة حينما توفي خالي الآخر.. وعند وفاة عمي. أعرفها جيدا ولا تشبه غيرها. كانت في ذلك المكان، وكانت هناك مريضة وصلت في حالة مخيفة ، تعالت أصوات البكاء ، وطردنا جميعا إلى الخارج. طُردنا أنا وأبي للمرة المئة من المكان.. هذه المرة كانت معي زوجة أخي، وفي مرات أخرى خالتي. أهلي من حولي كانوا يذكرونني بالأكل والشرب. فقدت بالأمس الاحساس بالجوع والعطش وأنا التي لا يمكن أن تصوم ساعتين متتاليتين إلا في رمضان. بالأمس من الخوف الذي لازمني بالبيت نسيت أن اتناول ادويتي، وما تذكرت إلا حينما عدت ليلا إلى البيت. نسيت الشعور بالتعب والألم إلا حينما قربنا من البيت. كل مفصل كان يأن .. كل شيء فيني يصرخ. انتظرنا طويلا، ما كنت أريد أن ألجأ لسؤال الآخرين.. دائما ما أحب أن أصل لما أريد بالطرق المتاحة والمباشرة. بالأمس ما تركت شخصا أعرفه يعمل في المستشفى السلطاني إلا لجأت له لمعرفة حال أمي .. وأخيرًا في الساعة الخامسة وصلت صوتية تطمننا، بأنها ستنقل لغرفة عزل لمتابعة العلاج بعناية طبيب القلب، وأن تنويمها تحت الملاحظة لا لمتابعة كوفيد-١٩ كونها لا تعاني من أعراضه ولكن لمتابعة مشكلة تباطوء دقات القلب وعدم انتظامها. رغم أن الرسالة مطمئنة إلا أن قلبي لم يتوقف من الركض ومحاولاتي أيضا .. وأخيرا رأيتها ورأتني قبل أن أطرد مجددا دون مقاومة. أكملنا ساعات إضافية ونحن بالخارج ننتظر في السيارة - سيارات الاسعاف لم تتوقف قط، المشهد مرعب وكارثي. كل المرافقين بالخارج ، الكل يترقب وينتظر. جاء الليل، هناك وجوه هي ذاتها كانت تنتظر معنا، نتقاسم معا الخوف والترقب والأمل في أن يكون الوضع بخير. أخيراً، نُقلت .. وتحدثنا إليها بعد أن استلمت هاتفها وأغراضها، صوتها متعب، مؤلم أنني لا أراها. قرب العاشرة تحركنا، ما شعرت بشيء من التعب إلا قرب وصولي للبيت. وصلت البيت، تذكرت: نسيت أن أنام، قمت في ٣ فجرا وكنت قد خططت أن أنام بعد صلاة الفجر وما نمت، أكملت بعض الأعمال إلى أن جاء وقت الدوام الرسمي - أعمل من المنزل - تذكرت كنت أعمل وفجأة.. صوت .. خوف .. ترقب وكل الشعور ..
    ربي لا أراكم مكروها فيمن تحبون
    14.06.2021
    1:50 am
    http://albusaidi-girl.blogspot.com/2...blog-post.html
    هُنَا حَيثُ مَمْلَكةُ قَلَمِي
يعمل...
X