إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

قصة " باتجاه الأمل"

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • قصة " باتجاه الأمل"

    مساء الخير للجميع
    هذه أحد القصص التي كتبتها في الإعتصامات الأخيرة وأحببت أن أشارككم بها فأرجوا أن تنال على إعجابكم

    قصة : باتجاه الأمل


    في الأفقِ البعيد تومضُ مصابيح سيارة ، موقِضَةً ظلمةَ الليل ،وهي تقترب رويداً.. رويداً من المدخل الرئيسي لمطار هِيثرو بلندن ،
    ينزل من المقعد المحاذي للسائق شاب في أواخر عقده الثالث مستعجلاً باتجاه صندوق السيارة وينادي عليه السائق بصوت مرتفع
    "محمد لا تنسى الكيس الأبيض في المقعد الخلفي"
    بدى على وجهِ محمد الإشتياق الممزوج بالقلق وهو يجيب:
    "ولا يهمك يا أحمد سؤأخر الرحلة كُلها لأجل هذا الكيس لو كنت نسيته.."
    ينزل أحمد من السيارة وفي وجهه إبتسامة ،ويغلق محمد صندوق السيارة معلنا إستعداده للدخول بعد أن أنزل جميع حقائبه ، وكيسه الأبيض.
    يعبر محمد وأحمد البوابة الرئيسية للمطار وهما يتجهان لقاعة المسافرين،
    الساعة تشير إلى 11:30 مساء من ليالي لندن الباردة والمطار مكتض بالمسافرين ومودعيهم ،
    وفي ركن قَصِيّ من قاعة الإنتظار يجلس محمد عاقدا يديه فوق بعضهما ، ومسمرا ناظريه ناحية اللوحة الإلكترونية ، وفي مقعد بجواره يجلس أحمد منهمكاً بقراءة رواية "ملائكة الجبل الأخضر" للكاتب العماني عبدالله الطائي التي بذل مجهوداً كبيراً للحصول على نسخة منها.
    تشير اللوحة الإلكترونية أن موعد الرحلة قد تأجل ساعةً أخرى ؛ بسبب سوء الأحوال الجوية ، ومحمد بدى أكثر قلقاً وازداد تفكيره شروداً فهو يكره الإنتظارَ ويمقته ، ولازالت ذكرى موعد طبيب الأسنان محفورة في رأسه، عندما إصطحبه والده في صغره للمستشفى لزيارة طبيب الأسنان لم ينم ليلتها وهو يفكر في سنِّه التي ستودّع فمهُ صباحاً، وفي الألمِ الذي ستتركهُ عند رحيلها ، وجاء الصباحُ سريعاً ، ووصل محمد ووالده للعيادة متأخرين ؛ بعد أن عانيا من شح التكاسي ، وزحمة الطريق اضطرا إلى الإنتظار وقوفا ؛ لكثرة الناس المكتضة على طبيب الأسنان
    وأطلق والده تنهيدة ، وهو يقول مغتاظاً :
    "ألم يجد هؤلاء وقتاً لآلام أسنانهم إلا اليوم"
    كان الإنتظار قاتلاً بطيئاً للوقت ، ومحمد قضى ذلك اليوم متأملاً وجوه المرضى ، وهو يحسب عدد المتبقين إلى أن وصل موعد دخوله عند الطبيب الذي إستقبله بإبتسامه عريضة ، وخرج بعدها وهو يبكي من شدة الألم.
    صوت أحمد قطع شرود محمد الذي كان يحسب عدد الدقائق المتبقية
    ليفاجأه بسؤال:
    من كان المتصل؟
    أجاب محمد:
    وجاء صوته حزينا : أخي سالم
    وماذا قال؟
    لم يقل سوى عبارة مختصرة ، بأن زوجتي قد بدأت عندها أعراض المخاض وتم نقلها للمستشفى .
    وهل أخبرك عن أوضاع الوطن؟
    لم يتسنى لي سؤاله عن الأوضاع في الوطن ولكني قرأت في المنتديات العمانية بأنها
    ما زالت متوترة ، وبدأت المظاهرات التي تندد بالفساد ، وتطلب الإصلاح بالإزدياد.
    قطع حديثهما صوت أنثوي بلكنة بريطانية ينادي في قاعة الإنتظار بأن الرحلة إلى مطار مسقط قد حانت .
    ينهض أحمد ومحمد من مقعديهما
    ، ويصافح أحمد محمد مودعاً
    ويحتضنه بحرارة مخففاً عنه موجة البرد اللندنية ، ليسري في أوصال محمد ذلك الدفئ والإحساس بالأخوة تجاه هذا الصديق المخلص ، وأردف أحمد بالحديث قائلا:
    "إطمئن سأشعر الجامعه سبب غيابك ، وألتمس لك العذر"
    وهمس في أذنه مداعباً:
    "عد لنا أبا ، ولاتنسى أن ترسل صورة مولودك الأول ، وتوافينا بمستجدات الأوضاع"
    يهم محمد بالمغادرة وهو يلوح بيده مودعا أحمد وباليد الأخرى محتضنا الكيس الأبيض بقوة.

    الساعة تشير إلى 12:30 صباحا على حسب توقيت لندن العاصمة و ضبابها لا يزال يحجب الأنظار عمّا هو قادم في الخفاء.
    يصعد محمد للطائرة بتجاه مقعدِهِ ذو الرقم 40 ، وفي يده الكيس الأبيض ،
    يجاوره في المقعد رجل ستيني ، زاده بياض ثوبه العماني، وشعره المشيب جمالاً ووقاراً
    بدى الإرتياح على وجه الرجل ؛ بعد أن لمس الملامح العمانية في وجه الشاب الجالس بقربه ،
    ومحمد لا زالت بذرة القلق تنمو سريعاً في داخله بعد أن أعلن قائد الطائرة إنطلاق الرحلة إلى مطار مسقط الدولي ، وهو يتذكر إتصال أخيه سالم ،ولكن النظر لوجه جاره الستيني تبعث في نفسه القليل من الطمئنينه مما هو قادم.
    بادر محمد جاره بالسؤال
    إلى عمان إن شاء الله؟
    فأجاب والإرتياح يسبق كلامه
    نعم إلى عمان عائدون بعد طول غياب. فسأله محمد بشوق
    وماذا جاء بك إلى لندن؟
    أجاب: جئت لإنجاز دورة في مجال عملي بعد أن أخترت من قبل شركتي لهذه المهمه
    تبعه محمد بعبارة
    ما شاء الله
    وأنت في هذا العمر؟
    فأجاب: من جد وجد ومن زرع حصد
    فباغت الرجل محمد بسؤال:
    وماذا تعمل في لندن يا إبن النهضة؟
    فأجاب محمد:
    "أنا طالب مبتعث لإكمال شهادة الماجستير".

    ثم سأله : " وهل سمعت بما يحدث في الوطن ياولدي؟"
    أجاب محمد: "نعم سمعت
    المظاهرات تملأ المدن وتطالب بالتغيير والإصلاح وتطالب بإقصاء رموز بارزة في الحكومة متهمة لهم بالفساد".

    بعث الرجل الستيني بزفرة ألقى من خلالها هموما تعتلي صدره منذ زمن فقال:

    "لا تستغرب ذلك ياولدي فالشعب ضاق ذرعا بما آلت به الأمور فانفجر يطالب بحقوقه في الإصلاح ولم ينسى أن يأكد حبه لباني النهضة وأن الشعب معه ضد الفساد والمفسدين".

    أجاب محمد بالإيجاب مؤيدا :
    "رأيت الشعارات التي رفعها المواطنون ومن ضمنها
    " الشعب يحب السلطان، الشعب يريد الإصلاح"

    أكمل الرجل الستيني كلامه
    بالقول:
    "أترى ذلك الرجل في المقعد المقابل"؟
    أجاب محمد : "نعم أراه
    يبدو من هيئته أنه بريطاني".
    "نعم ياولدي هو بريطاني ،وهو زميلي في العمل ،وكلانا مهندسي بترول، ولكن الفارق بيننا هو مدة العمل ف الشركة
    فهو قد قضى 10 سنوات ، وأنا قضيت 25 سنة في العمل نفسه ،
    ولكن للأسف ليس هناك تكافؤ في الأجر المدفوع ،
    فهو يستلم ضعفي راتبي وهو في بلادي"
    فأكمل والحزن باد على وجهه:
    "أعلمت الآن سبب مايحدث".

    قطع حديثهما صوت مضيفة الطيران وهي تسأل عن طلباتهما
    فاتفق كلاهما على طلب واحد:
    "قهوة عمانية لو سمحتي"

    فظهر الإستغراب على وجهها وهي تجيب :
    "على الرحب والسعه
    دقائق وسآتي بالطلب"

    علق المهندس الستيني:
    "كم أعشق رائحتها وهي ممزوجه بالهيل ،
    تنسيني كل همومي ، وتبعث في نفسي أملاً جديداً للمستقبل عندما أرتشفها كل صباح".
    أعاد محمد شريط ذاكرته للوراء وهو يستعيد عبق القهوة المنتشر في أرجاء البيت صباحاً ، متجهاً ب "دلة القهوة" باتجاه أبيه الذي يكدح في مزرعته الخضراء ،
    وأسفل الغافة يصب فنجان القهوة لوالده ليزيل عنه تعب العمل المضني تحت أشعة الشمس اللافحه ، ونسيم المزرعة العليل يعطر الأجواء برائحة الياسمين الجبلي.
    صوت المضيفة أيقضه من حلمه سارياً في أذنه ومداعباً
    "القهوة جاهزه"
    يستلم محمد الطلب ويسلم الرجل طلبه أولا بداعي الإحترام وتوقير الكبير
    قال المهندس الستيني وهو يرشف قهوته:
    "أعذر لي فضولي
    ولكن هل لي أن أسألك عن هذا الكيس الذي تحضنه منذ غادرنا لندن؟"
    إبتسم محمد وهو يجيب:
    "إن في الكيس شيء عظيم وغالي على قلبي فأحتفظ به قريب منه".

    عاد القلق والخوف يساور محمد من جديد وهو يحاول تخيل ما تعانيه إبتسام من آلام المخاض، واقتراب موعد الولاده ، وزاد قلقه طول رحلة العوده للوطن الأم.

    إنبعث صوت قائد الطائرة بالتنبيه بربط الأحزمه والإستعداد للنزول في مطار مسقط .
    بدأ نبض الوطن يدوِّي في آذان العائدين ، وهم يهمون لإحتضان تربه الطاهر ليضعون بصمة عودتهم في قلبه من جديد
    حطت الطائرة بسلام ، وودع محمد رفيق رحلته مستعجلاً
    باتجاه إنهاء إجراءات العوده للوطن ،
    وخرج مسرعاً من بوابة العائدين وهو يلتفت باحثا عن وجهٍ مألوف ينتظره.
    يلوِّح من بعيد أخوه سالم وتلاقت الأجساد بدفىء الشوق والإحتضان ، وبشوق باشر سالم الحديث سائلا عن الرحلة هل كانت متعبه فيجيب محمد بالنفي ،
    ولكن وجهه المرهق يكذبه هذه المره.
    يحمل سالم الحقائب بتجاه المخرج ، ومحمد متشبث بالكيس الأبيض لا يفارقه.
    في السيارة يسأل محمد بقلقٍ عن حال إبتسام
    فيجيب سالم بنبرة مليئة بالتفائل:
    "إبتسام بخير وهي الآن تنتظرك ، وتستعد لدخول غرفة العمليات"
    وما حال الوطن ياسالم؟
    "الأوضاع مازالت مضطربة في صحار والمتظاهرون يرفعون شعاراتهم ضد الفساد والمفسدين ، ويطلبون الإصلاح
    ،وقام بعض المتهورين بحرق مركز اللولو، وبيت الوالي ، ومكتب القوى العاملة ، وقاموا بالتخريب في دوار الكرة الأرضية"
    بدى الهواء خانقا في صدر محمد عند سماعه هذه الأنباء رغم جماله في ساعات الصباح الأولى ، وكلما زاد الجو إختناقا زاد محمد تشبث بالكيس وسالم يقود مسرعاً بتجاه المستشفى السلطاني حيث ترقد إبتسام.

    نطق سالم بجملة "الجميع ينتظر بفارغ الصبر رؤية مولودك الأول ، فهم مازالوا معتصمين في المستشفى بانتظار عودتك"
    أجاب محمد:
    "المهم الآن خروج إبتسام من هذه المحنه".
    يوقف سالم السيارة في مواقف المستشفى ، ويتجه محمد مسرعاً إلى قسم العمليات محتضنا كيسه الأبيض ، وسالم يتبعه مسرعاً

    قرب غرفة العمليات يجلس في المقعد المخصص
    أم محمد ،وأم إبتسام
    وسعيد أخو إبتسام
    وعلى الزاوية مريم زوجة سالم وحفصة أخت محمد.

    يعبر محمد الممر المؤدي لغرفة العمليات فيحتضن أمه وخالته محتمياً من قلقه الذي ظل يطارده منذ أيام.
    ويسلم على باقي العائلة
    ، ويبادر بالسؤال عن إبتسام التي عبرت بوابة غرفة العمليات بانتظار اللحظة المرتقبة.

    الصمت يخيم على المكان ، وحفصة تقرأ القرآن في المقعد بجوار أمها ومريم زوجة سالم.
    أم محمد تحاول طمأنة أم إبتسام
    وسالم ومحمد وسعيد ينتابهم قلق شديد من تأخر العملية
    فقد مضى أكثر من ثلاث ساعات.
    تخرج أحد الممرضات لتنادي بصوت مضطرب
    "نحتاج دم بسرعة للمريضة في غرفة العمليات"
    وصوت رسالة على هاتف سالم تهز سكون المكان
    ويزيد ذلك من توتر العائلة
    ترفع حفصة صوتها بقراءة القرآن ، وترفع أم محمد يديها بالدعاء بأن يخلص إبتسام بلطفه ورحمته وهي تذكر ما عانته من آلام شديدة في المخاض عندما أرادة ولادة طفلها الأول محمد فقد شارفت على الموت من شدة النزف ، وتواضع الخدمات الطبية في ذلك الوقت
    ولكن الله تعالى أعانها برحمته.
    "يارب يارب أعن إبتسام برحمتك ولطفك"
    صاحت أم إبتسام ودموعها تنهمر متدفقة على خدها.

    صوت الرسالة جعل محمد يعود برأسه للوراء
    وهو يستنطق سالم :
    "ما فحوى الرسالة ياسالم؟"
    يجيب سالم والغصة تحرق قلبه
    المظاهرات في صحار!!
    يسأل محمد وسعيد : "مابالها؟"
    دمعة تنهمر من عيني سالم "سقط شهيد والعديد من الجرحى بعد تدخل قوات الأمن"

    محمد: "لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"
    سعيد: "رحم الله الشهيد ، وأعان الله الجرحى"
    ينبعث صوت محمد مخنوقاً بغصة النبأ : "طال مخاضك يا وطن ،وحانت ولادة التغيير"

    تخرج الممرضة والبشاشة على وجهها وتبشر العائلة :
    "مبارك... رزقتم بنتا والأم بحالة صحية طيبة ومستقرة"
    تهللت أسارير أفراد العائلة وعلت البسمة وجوههم وفرّ القلق بعيداً من ممر غرفة العمليات ،
    فالفرحة لا تتسع قلب محمد وعائلته فهي تجول كل ممرات المستشفى السلطاني ، وغرفه
    ،والحمد والشكر لله على ما أنعم وفضل...

    بعد عدة أيام...
    العائلة تلتفُ حول سرير إبتسام
    ومحمد يداعب وجه الطفله الجميلة ، وهو يستشير إبتسام في اسم جميل يضاهي جمال الطفله.

    يدخل سالم مسرعاً والفرحة تكاد تحمله عن الأرض

    محمد مستغربا: ماذا هناك ياسالم؟
    "صاحب الجلالة يصدر مراسيم سامية بمحاربة الفساد والمفسدين ، وانتهاج منهج الإصلاح ،ويقيل رموز مهمه في الحكومه
    مستجيبا للمعتصمين"
    محمد: "هذا خبر يفرح كل القلوب العمانية الطيبة
    ويخرج عمان من مخاضها العسير بولادة الإصلاح والتغيير".

    أم إبتسام: "الحمد لله على نعمة الأمن والأمان".
    أم محمد: " أطال الله في عمر صاحب الجلالة".
    بفرحة يملؤها التفائل نطقت حصه وهي تداعب خدود الطفلة:
    "ماذا قررت أن تسميها يا محمد؟"
    بهذه المناسبة سأسمي هذه الطفلة " أمل"
    إحياء لهذه الذكرى في سجل الوطن
    فتومئ إبتسام بالموافقة ،ويفتح محمد الكيس الأبيض أخيرا بعد أن صحبه عابراً معه القفار ، وقاطعا معه البحار

    ويخرج منه هدية للمولوده ، قميصا قد زين بصورة صاحب الجلالة السلطان قابوس وعلم السلطنة
    ويخرج معه الوشاح العماني ليلف به طفلته الأولى أمل.

    تمت...
    الحياة مبدء
    18/3/2011
    http://upload.omanlover.org/out.php/...d422sg8epj.jpg
    مبدئي في الحياة هو:
    إزرع جميلاً ولو في غير موضعه *** فلا يضيع جميل أينما زرعا

يعمل...
X