منذ بداية العام الجاري يشهد العالم تراجعا في حدة تفشي الجائحة وتأثيراتها على مختلف الأنشطة الاقتصادية لكن القيود والاحترازات المصاحبة للجائحة مازالت تلقي بظلالها القوية على بعض القطاعات خاصة السياحة الذي شهد تراجعا كبيرا في جميع المؤشرات بما في ذلك عدد الزائرين وحركة الطيران وعدد الوظائف ومساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي, وخلال الفترة الأخيرة يتجه القطاع للتعافي تدريجيا وفق التطورات الإيجابية في احتواء الجائحة خاصة عبر التقدم في توزيع اللقاحات, وأيضا وفق خطة التعافي التي وضعتها وزارة التراث والسياحة لمساندة القطاع الذي يعد إحدى ركائز التنويع الاقتصادي في السلطنة, حيث يتم المضي قدما في خطط مساندة وتشجيع الاستثمارات السياحية والتوسع في افتتاح مكاتب التمثيل السياحي, وتعزيز خطط الترويج السياحي في الدول المستهدفة والتي تمثل الأسواق التقليدية الجاذبة للسياحة إلى السلطنة وكذلك الأسواق الواعدة الأكثر تصديرا للسياح, وتتمتع هذه الخطط بالمرونة والتكيف مع المستجدات التي قد تطرأ بسبب الجائحة, وقد أعلنت وزارة التراث والسياحة الاثنين عن أنه مع بدء الموسم الشتوي السياحي بمحافظة ظفار وصلت أول رحلة سياحية للطيران العارض (الشارتر) إلى مطار صلالة لهذا الموسم قادمة من جمهورية سلوفاكيا وعلى متنها ١٧٣ راكبا، كما تصل في غضون ساعات رحلة أخرى من جمهورية التشيك تحمل ١٨٥ راكبا, وتأتي الرحلات في إطار جهود وزارة التراث والسياحة وتنفيذا لمشاريع خطة التعافي لقطاع السياحة ٢٠٢١-٢٠٢٢ والتي من ضمنها تحفيز وتمكين السياحة الدولية من خلال استقطاب رحلات الطيران العارض.
وتسعى خطة التعافي إلى تعزيز نمو القطاع عبر تشجيع السياحة الداخلية والخارجية, وتعزيز البرامج السياحية الثقافية والجيولوجية وسياحة المغامرات, كما أعلنت وزارة التراث والسياحة في وقت سابق عن برنامج استثماري لمشاريع متنوعة لدى شركة عمران لاستهداف وتوفير خيارات مناسبة للسياحة المحلية في الفترة القادمة, كما تشمل خطة التعافي إنشاء مراكز للزوار في عدد من المواقع وتطوير المواقع المسجلة في قائمة التراث العالمي، ودعم المتاحف الخاصة، وتوفير عروض متحفية في القلاع والحصون والاهتمام بسياحة الشواطئ والمغامرات. كما تتضمن خطة الوزارة في الترويج السياحي خلال السنوات القادمة استهداف المؤتمرات والمعارض الدولية أو الإقليمية والتركيز على قطاع الاجتماعات إقليميا ودوليا.
وخلال العام الجاري تم التوقيع على عدة اتفاقيات مهمة لتعزيز نمو القطاع وجذب الاستثمارات ومنها اتفاقية مشروع يتي- ينكت بمحافظة مسقط، والذي يعد واحدا من أكبر مشاريع التطوير الحضري التي سيجري إنشاؤها في السلطنة، كما يتوقع أحدث تقرير سنوي صادر عن وزارة التراث والسياحة أن يبلغ إجمالي المنشآت الفندقية المتوقع افتتاحها في السلطنة خلال 2021-2022 نحو 119 منشأة تضيف 6754 غرفة فندقية جديدة للقطاع, وتدعم هذه المنشآت الجديدة احتياجات النمو في القطاع بما يتكامل مع نواحي التطوير الأخرى التي تعمل على تعزيز الخدمات والمرافق الترفيهية التي تدعم نمو القطاع, كما تساهم مبــادرة إلغــاء شــرط الحصــول علــى التأشــيرات الســياحية لدخــول الســلطنة للزيــارات القصيــرة, التــي تشــمل رعايــا عدد كبير من الدول, فــي تشــجيع الحركــة الســياحية وتســهيل وصــول الســائحين الراغبيــن فــي زيــارة الســلطنة.
وخلال الفترة الماضية عملــت وزارة التراث والسياحة علــى رصد تأثيــرات الجائحــة المباشــرة علــى القطــاع الســياحي بالســلطنة ووضعــت عــدداً مــن التصــورات المحتملــة لهــا وفــق مســتجدات الجائحــة محليــاً، والمتغيــرات العالميــة المرتبطــة بالمنظومــة الســياحية، كما تضمنت خطة التحفيز الاقتصادي التي تم إعلانها في بداية هذا العام إعفــاءات وحــزما تحفيزيــة وتســهيلات للقطــاع الخــاص، لمعالجة الآثار الاقتصادية الناتجة عن جائحة كورونا وذلك عبر وضع آليات وإجراءات مناسبة تضمن سرعة عودة الأنشطة الاقتصادية؛ لضمان تحقيق معدلات نمو اقتصادي بشكل متسارع بما يواكب توجهات خطة التنمية الخمسية العاشرة (2021 – 2025) ومن المؤمل أن تسهم هذه الحوافز في تنشيط حركة السياحة المحلية وإنعاش القطاع, وترتكز خطة التحفيز على خمسة محاور رئيسية منها الحوافز المتعلقة بالضرائب والرسوم وتضمنت الخطة إعفاء المنشآت الفندقية من ضريبة الدخل المستحقة عن السنتين الضريبيتين 2020 و2021, والإعفاء من الضريبة السياحية وضريبة البلدية التي تحصل من المنشآت السياحية إلى نهاية عام 2021 وتأجيل توريد الضريبة السياحية وضريبة البلدية المحصلة من المنشآت السياحية إلى نهاية ديسمبر 2021م.
ويحمل تعافي القطاع أهمية كبيرة على عدة مستويات منها زيادة مساهمته في تعزيز نمو الناتج المحلي ورفد سوق العمل بالوظائف حيث كانت خطط التعمين قبل الجائحة تستهدف إيجاد فرص عمل وتدريب لحوالي 7000 عُماني في مختلف مجالات القطاع عبر حوافز تجعل العمل في القطاع أكثر جذبا للعمانيين, مع وجود توجه مهم نحو وضع إطار لبرنامج القيمة المحلية المضافة في قطاع السياحة على غرار النهج الناجح الذي تم اتباعه في قطاع النفط والغاز.
وتشير الإحصائيات إلى أن إجمالي عدد العاملين في أنشطة القطاع السياحي (الوظائف المباشرة) حتى نهاية ديسمبر 2020 بلغ 142,247 منهم 15.523 مواطنا و126.724 وافدا، وتشكل نسبة التعمين في القطاع السياحي ما نسبته 10.9 بالمائة، حيث تشكل أنشطة النقل الجوي والبري والبحري70 بالمائة، فيما تشكل نسبة التعمين في الأنشطة الفندقية 30 بالمائة، وتشكل نسبة التعمين في أنشطة المطاعم والمقاهي 5 بالمائة.
وقبل تفشي الجائحة, كانت مؤشرات نمو القطاع السياحي قد شهدت نمواً جيدا، حيث بلغت القيمة المضافة المباشرة وغير المباشرة للقطاع 1.3 مليار ريال عماني بنهاية 2019، وبقيمة مباشرة بلغت 718 مليون ريال، مقارنة بـ 700 مليون ريال عام 2018، كما ارتفع عدد الزوار القادمين للسلطنة ليصل العدد إلى 3.5 مليون زائر عام 2019. لكن تأثر القطاع بالجائحة منذ بداية العام الماضي وإجراءات الإغلاق التي تمت بما في ذلك القيود على حركة الطيران وكذلك المنافذ البحرية والبرية في السلطنة والعالم أدت إلى انخفاض حاد في عدد الزوار وعدد نزلاء الفنادق وكذلك إيراداتها, وتستهدف وزارة التراث والسياحة رفع مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي من 3,5 بالمائة قبل الجائحة إلى 5 بالمائة بحلول عام 2030 على أن ترتفع مساهمة القطاع إلى نحو 10 بالمائة بحلول عام 2040.
وكانت منظمة السياحة العالمية قد كشفت عن أن قطاع السياحة العالمي تكبد خسائر مباشرة بقيمة 1300 مليار دولار في 2020 جراء القيود على التنقل بسبب جائحة فيروس كورونا. ويمثل هذا الرقم خسائر أكبر بـ11 مرة من تلك المسجلة خلال الأزمة الاقتصادية العالمية في 2009 نظرا للتراجع الحاد في حركة تدفق السياح في العالم, وقد أشارت المنظمة إلى أن عام 2020 كانت الأسوأ في تاريخ السياحة مع تراجع عدد السياح في العالم بمليار شخص مقارنة مع 2019, وبحسب خبراء في المنظمة أصبح عدد يتراوح بين 100 مليون إلى 120 مليون وظيفة مباشرة مهددة في السياحة العديد منها في الشركات الصغيرة والمتوسطة. قد تسجل قيمة الناتج المحلي الإجمالي العالمي انخفاضا هائلا نتيجة التداعيات السلبية التي أصابت القطاع السياحي العالمي بسبب تفشي جائحة كورونا. كما أشارت تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» إلى أن انهيار السياحة الدولية، الناتج عن تفشي الجائحة قد يكلف الناتج المحلي الإجمالي العالمي خسارة تقدر بـ4 تريليونات دولار على مدار عامي 2020 و2021، وذلك في قطاعات السياحة الدولية والقطاعات الاقتصادية الأخرى التي تعتمد عليه وقد حذر التقرير من إمكانية تسجيل نفس الخسائر هذا العام ما لم يتم استئناف الرحلات السياحية اعتمادا على توزيع اللقاحات المضادة لفيروس كورونا على نطاق عالمي.
