كانت كل إطلالة لجلالة السلطان قابوس- طيّب الله ثراه- عبر وسائل الإعلام المختلفة -وإن كانت لثوان معدودة- عيداً لكلّ عمانيّ ومقيم على أرض عمان الخير. وقد كان يدرك حجم ذلك الحب وعمق الشغف برؤية محياه السمح؛ والاستئناس بابتسامته العطرة التي تبدو لهم نوراً لم يخلق الله لجمالها مثيلاً؛ ولأنّه يدرك كلّ هذا، كان حريصا على مشاركتنا أفراحنا وأعيادنا، فاتخذ من مناسبتي عيد الفطر وعيد الأضحى موعدا يحلّ به على محبيه بعطائه وجماله، ويترك من أثره نورا في كلّ شبر من هذا البلد العزيز، هكذا عوّدنا أبونا وسيّد عمان الحديثة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه-، واستمر على عادته تلك، بكلّ ما شكّلته من زخم ملأت ذاكرة العمانيين بسلسلة من الدروس التي مثلت القدوة لكلّ متابع له ولسياسته.
لقد كنّا نترقّب إطلالته متسمّرين أمام شاشات التلفاز في نقل مباشر من إحدى سيوح هذا الوطن الجميل، أو من جامع مهيب أمر الأب العزيز -طيب الله ثراه- ببنائه، وقد جاء ليفتتحه، فتصبح المناسبة اثنتين يومها. يقف بعد الصلاة يستقبل المهنئين من مختلف الفئات والأفراد، يظهِر العطف والحنوّ للصغير قبل الكبير، فتركض القلوب قبل الأيدي لتهنئته. ويجتمع المسؤول مع المواطن في مأدبة غداء كبيرة تستمرّ بها طقوس العيد وتتزيّن البلاد بسيد البلاد- رحمه الله -.
لقد اعتاد العمانيون افتراش الأرض بتحديد مصلى خاص للأعياد الدينية، نهج سار عليه المغفور له بإذن الله، فافترش الأرض مع شعبه، واستمع لخطب العيد التي كان يعتني بمواضيعها شخصيّاً؛ لتكون ذات دلالات واضحة تعكس السياسة العمانيّة الرصينة، ولتحتوي على مبادئ الخير والسلام التي حملتها عمان على مرّ تاريخها. لقد مثّلت الخلطة القابوسيّة الفريدة التي يصنعها جلالته -رحمه الله-، والمكوّنة من الأعراف والتقاليد والحداثة حدثاً مشاهداً صوتا وصورة، يعطي بها الدروس لمن أراد أن يتعلّم، ويُحكِمُ زمام المشهد المرئي المشاهد، فقد كان أباً يدرك حجم الاشتياق لمرآه؛ فينطلق بعد أداء الصلاة تحفّه دعوات أبنائه المطعّمَة بالورود على طول الطريق، تزيّن سيارته، تزفّها الفرق الشعبيّة على جانبيّ المسار، منشدة أجمل القصائد في فنونها الشعبية تحيّة لباني عمان الحديثة.
يأتي عيد الأضحى هذا العام الهجري 1441هـ، ليعيد مشهداً خالداً في الذاكرة لآخر إطلالة لباني النهضة المغفور له بإذن الله والدنا السلطان قابوس بن سعيد، والتي كانت في مسجد السلطان سعيد بن تيمور رحمه الله في يوم الثلاثاء 10 ذو الحجة 1434 الموافق 15 أكتوبر2013م. هذا المسجد الذي تمّ افتتاحه لأوّل مرّة عام 1999، والمبنيّ على طراز المساجد العثمانيّة التي تتميّز بمزيج مذهل من الألوان والزخارف الإسلاميّة، وهو يُعدّ واحداً من أجمل المعالم المعماريّة في سلطنة عمان، وأحد أهمّ المساجد التي بنيت في مسقط في الآونة الأخيرة.
ولا شكّ أنّ مثل هذه المناسبات كانت محلّ ترقّب من العديد من العمانيين، وهم يترقّبونها لرؤيته، فقد كانت يده الكريمة المعطاءة تمتدّ لكافة القاطنين على هذه الأرض الطيّبة، فنجده يعفو ويصفح ويخرج عدداً من المحبوسين بعفوٍ منه ليجتمع شملهم مع أسرهم بمناسبة العيد سواءً كانوا عمانيين أو غير عمانيين،
وهذا بلا شكّ خلق السلاطين وديدنهم الكريم، وها نحن نجدها اليوم تستمرّ فيمن توسّم فيه سلطاننا الراحل الإمكانات والسجايا ذاتها لاستكمال مسيرة عمان المعاصرة نحو المستقبل جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله تعالى ورعاه وأيده بالحقّ المبين-والذي هنَّأ أبناء عُمان الميامين والمقيمين بأرضها الطيبة والأمة الإسلامية بمناسبة عيد الأضحى المبارك، كما هنأت السيدة الجليلة – حفظها الله ورعاها- أبناء عمان الأوفياء والمقيمين على أرضها الطيبة بهذه المناسبة الجليلة، ورحمة الله على فقيد عمان العظيم والدنا وحبيبنا السلطان قابوس بن سعيد وأسكنه فسيح جناته وجزاه عنّا خير الجزاء.
د.بدرية بنت محمد النبهانية
باحثة في التاريخ
