في المشهد الفلسطيني المتصل؛ تتصاعد الاعتداءات والجرائم التي تقوم بها عصابات المستعمرين الإرهابيين اليهود في أنحاء الضفة الغربية ضد الوجود والصمود العربي الفلسطيني عمومًا، وضد الأماكن المقدسة والمعابد والمساجد على نحو خاص، ففي أحدث وأقرب الاعتداءات الإرهابية التي تقوم بها تلك العصابات؛ قام عدد من الإرهابيين من المستوطنات بإضرام النار في مسجد “البر والإحسان” في مدينة البيرة في الضفة الغربية، فجر الاثنين-: 27/07/2020 – وبعد إحراق المسجد؛ خط المستعمرون على جدرانه عبارة “أرض إسرائيل لشعبها وعلى الفلسطينيين أن يختفوا”. وكذلك قيام أكثر من 200 مستوطن صباح الخميس 30 /7/ 2020، باقتحام المسجد الأقصى، فيما اعتقلت قوات الاحتلال 5 شبان من باحاته، وفي استفزاز واضح للمشاعر الدينية، دعت جماعات من المستوطنين لاقتحام المسجد الأقصى بالتزامن مع وقوف الحجاج بجبل “عرفات”، علمًا أن اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى تجري بشكل يومي وبمجموعات متتالية لا تزيد عن 20 مستوطنًا يوميًا، بينما كشف مدير عام دائرة الأوقاف الإسلامية وشؤون المسجد الأقصى المبارك، الشيخ عزام الخطيب النقاب عن “أن أعداد المتطرفين اليهود المقتحمين للمسجد الأقصى المبارك خلال العام 2019 بلغت 29610 متطرفين، تحت حماية الآلاف من شرطة الاحتلال وقواتها الخاصة وعناصر المخابرات التي اخترقت الوضع التاريخي والقانوني الذي كان قائمًا للمسجد-: 31/12/2019-“. والأخطر من كل ذلك أن “منظمات الهيكل” الاستيطانية، أجرت استعراضاً للصور، ووضعت مُجسّماً كبيراً “للهيكل المزعوم” عند مدخل جسر باب المغاربة، ضمن أثاث ومُقتنيات ما يُسمى (العريش) المخصص للصلاة قبل اقتحام المسجد الأقصى. كما تم عرض سلسلة من الصور الخيالية والمعالجة بـ (فوتوشوب)، كذلك تم استعراض تطبيق إلكتروني إسرائيلي يُخفي قبة الصخرة من المشهد العام لمدينة القدس والبلدة القديمة ويستبدله بشكل (الهيكل المزعوم) وفق تلك الجمعيات والمنظمات المتزمتة، واستعرض أفراد وقيادات تلك التنظيمات المتزمتة البرنامج عبر حواسيب رقمية “تابلت”، وشكل القدس ومشهدها العام بعد إزالة مسجد قبة الصخرة واستبداله بما يسمى (قدس الأقداس) وفق معتقداتهم ورسوماتهم الخرافية- وكالات – الخميس 09/7/ 2020-“.
أما عن اقتحامات المسجد الأقصى بحجة الشعائر الدينيّة وحقوق الإنسان كأدواتٍ لسيطرة الاحتلال على الحرم وعلى القدس، فقد جاء في ورقة بحثيّة نشرت في مجلة “دراسات الاستعمار الاستيطانيّ”، للباحثة “رشيل فيلدمان”، بتاريخ 28 آذار 2018: “منذ العام 2010، هنالك إقبالٌ متزايدٌ في المجتمع الصهيونيّ لاقتحام المسجد الأقصى، باعتباره “حجّاً أو صعوداً إلى جبل الهيكل”، من خلال جولاتٍ دينيّةٍ ينفّذ فيها المقتحمون مهام دولة [العدوّ] بالوكالة، وتعدّ هذه الجولات أداةً من أدوات سيطرة الاحتلال، يتمّ من خلالها تمرير خطابٍ جديدٍ، استعماريِّ في جوهره، ومغلّفٍ بقشرةٍ من خطاب حقوق الإنسان والحريّات الدينيّة، تلتقي فيه المعتقدات الدينيّة اليهوديّة بالأيديولوجيات العلمانيّة الليبراليّة، واليوم، أصبحت هذه الاقتحامات طقساً من طقوس الاستعمار العلمانيّ، تؤدّيه الجماعات الدينيّة اليهوديّة بالنيابة عن الدولة الصهيونيّة، وتعمل في ذات الوقت بشكلٍ استراتيجيٍّ على قلب العلاقة ما بين المستوطنين وأهل البلاد من خلال إظهار ذاتهم كضحايا ومسلوبي الحقوق”.
إذن هذه هي الحقيقة الساطعة في المشهد المقدسي: اقتحامات المسجد الأقصى بحجة الشعائر الدينيّة وحقوق الإنسان كأدواتٍ لسيطرة الاحتلال على الحرم وعلى القدس…!
ولكن: تصوروا.. يحرقون مسجد البر والاحسان ويدمرونه ويغطون هذه الجريمة بعبارة مستوحاة من”التوراة”، وهم يوظفون التوراة في كل جرائمهم ضد الوجود الفلسطيني…! وهناك في سجل الانتهاكات والاعتداءات والاقتحامات التي تقوم بها عصابات المستعمرين الإرهابيين اليهود الكثير الكثير منها بما لا تتسع المساحة المحدودة هنا بذكرها، ولذلك نتساءل -استنكاريا-: هل هي الهستيريا العنصرية الصهيونية تتجلى هنا يا ترى؟! أم هي الرواية الصهيونية المزيفة؟! أم هي الأساطير الصهيونية المزعومة حول “أرض الميعاد” و”الحق اليهودي” والوعد الرباني” المزعوم؟! أم هي خطابات نتياهو التوراتية التحريضية التي كان بدايتها الخطاب الذي القاه أمام جامعة بار ايلان في شباط/2010 وتحدث فيه عن اجتياح وتهويد المعالم التاريخية التراثية في فلسطين؟! أم هي أيضًا خطاب الرئيس أوباما التوراتي أمام الأمم المتحدة وقبله الذي تبنى فيه الرواية الصهيونية بالكامل؟ أم هي صفقة ترامب التوراتية التي تعترف بفلسطين “أرضًا خالصة نقية لليهود…”؟! أم هي إلى كل ذلك فتاوى الحاخامات اليهود التي تشرع للمستوطنين حروبهم الاقتلاعية ضد الفلسطينيين التي وصلت إلى ذروتها الدينية؟
فليس عبثًا إذن أن نتابع الهجمات المتلاحقة التي يشنها المستعمرون المستوطنون ضد المساجد في أنحاء الضفة الغربية، والتي كانت انتقلت صباح الاثنين 2011-10-3 -على سبيل المثال-إلى قرية طوبا الجليلية، حيث قاموا بحرق مسجدها الوحيد.
كان الكاتب الاسرائيلي “تشيلو روزنبرغ”- قد شرح ما يجري في هذه الأيام من حرب دينية سافرة على المساجد في أنحاء الضفة الغربية، بأنه تجسيد للرواية الصهيونية، فكتب في مقال نشر معاريف-2011-4-8 تحت عنوان: “من الصراع القومي إلى الحرب الدينية”؛ “كان العام 1967 عاماً مفصلياً لما يُسمى الصهيونية، لأنه منذ تلك السنة وحتى اليوم احتلت الرواية الدينية لدولة إسرائيل موقع الريادة في أوساط شرائح واسعة من الجمهور الإسرائيلي”. مضيفًا: “إن تقديس الأماكن المقدسة ومحاولة تعريف الصهيونية والوطنية حصرًا عبر صيغة “العودة إلى المصادر الدينية”، كل هذه الأمور أدت إلى التطرف، وإلى تحول النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني إلى “نزاع ديني”. ويبدو أن التصعيد الهستيري الجاري منذ سنوات في أنحاء الضفة الغربية من قبل عصابات المستوطنين اليهود، ينقل المواجهات عمليًا إلى حرب دينية، تضاف إلى حروب الاستيطان والديموغرافيا والاقتصاد التي تشنها دولة الاحتلال مجتمعة ضد الوجود العربي الفلسطيني.
والملاحظ أن هذه الحرب التي باتت تحمل شكلًا وطابعًا دينيًا تصل في الأيام الأخيرة إلى ذروة محمومة لم يسبق لها مثيل من قبل في تاريخ المواجهات.
والحقيقة الصارخة الماثلة أمامنا أن هذا الذي يجري في كل الأماكن الفلسطينية يجمع ما بين كل المصطلحات والمعاني والدلالات والأجندات المشار إليها…! فالحروب الصهيونية واسعة شاملة متدحرجة مفتوحة ضد كل الأماكن والمسميات والمعالم العربية الإسلامية، وما هذه الحرب الدينية سوى ذروة الحروب الصهيونية التي باتت تتنقل بوجهها الأبشع والأخطر كحرب دينية من قرية إلى قرية، ومن مسجد إلى مسجد، ومن معلم إلى معلم.
ففي منهجية الاعتداءات على الأماكن المقدسة، فقد كانت جريمة إحراق الأقصى المبارك في الحادي والعشرين من آب/1969 فاتحة مسلسل الجرائم الصهيونية ضد الأماكن المقدسة، بعد العدوان والاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والفلسطينية في حزيران 1967، إلا أن سجل دولة الاحتلال في اقتراف الجرائم ضد المساجد والكنائس والمقابر يعود إلى عهد التنظيمات الإرهابية الصهيونية، وإلى بدايات إقامة الدولة العبرية على أرض فلسطين. فمنذ “إقامة تلك الدولة وحتى عام 1950، أي خلال عامين فقط؛ أقدمت على هدم وتدمير 1200 مسجدًا -كما يؤكد الباحث الفلسطيني في مؤسسة الأقصى لرعاية المقدسات الإسلامية في فلسطين 1948 الشيخ أحمد فتحي خليفة-. موضحًا:أ”إن عملية هدم المساجد لم تكن مسألة عابرة يسيرة، بل أن قوات الاحتلال لجأت إلى استخدام المتفجرات، كما فعلوا في مسجد قرية الدامون المدمرة الواقعة في مدخل قرية عابود بالجليل”. وشهدت سنوات الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي عمليات تدمير وانتهاكات متفرقة ضد المساجد والكنائس، وكان من أبرزها: هدم ثلاثة مساجد في العقد الأخير من القرن العشرين وهي مساجد أم الفرج في الجليل الغربي ووادي الحوارث الساحلية الواقعة جنوب الخضيرة ومسجد قرية صرفند الساحلية جنوب حيفا”، بينما جاء في تقرير لمؤسسة التضامن الدولي لحقوق الإنسان، أن دولة وقوات الاحتلال أقدمت خلال انتفاضة الأقصى على سبيل المثال، على جملة اعتداءات وصلت أحيانًا باستخدام قذائف المدفعية والدبابات وصواريخ الطائرات ضد المساجد والكنائس، مما أدى إلى هدم وتدمير عدد منها تدميرًا كليًا وبعضها جزئيًا، ومنها: مسجد الخضرة في نابلس، مسجد مخيم جنين، مسجد معاذ بن جبل في كفر قليل قضاء نابلس، ومسجد عبدالله عزام في بيت حانون، مسجد النور في رفح، مسجد دير البلح، ومسجد زكريا في الرمله، مسجد شهاب الدين في الناصرة، مسجد تل الملح في النقب… وهناك في السجل الصهيوني جرائم لا حصر لها ضد المقدسات الإسلامية والمسيحية.
فتصوروا بعد كل ذلك: لو أن فلسطينيًا أو عربيًا أقدم على حرق كنيس يهودي في الضفة الغربية، أو أقدم على حرق خزنة لفائف التوراة في الكنيس، فكيف كانت دولة الاحتلال ستتصرف؟ وكيف كان المستعمرون المستوطنون سيتصرفون؟ وكيف كانت الادارة الامريكية ستتصرف؟ وكذلك الاتحاد الأوروبي؟ وكذلك الأمم المتحدة؟ كل ذلك يستدعي فتح هذه الملفات على المستوى الأممي والقانوني الدولي.
ربما كانت ستقوم الدنيا ولا تقعد أبدًا، حتى تقوم قوات الاحتلال ومعها عصابات المستوطنين بحرق الأخضر واليابس في كافة مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، ناهيكم عن حرق المساجد والمصاحف، وربما حتى إحراق المسجد الأقصى… وناهيكم عن أعمال القتل والفتك ضد الأطفال والنساء والشيوخ.. أليس كذلك الحال؟!
ولكن، وحيث أن الذين يقومون بالاعتداءات والحرق والتخريب هم المستوطنون الصهاينة وجنود الاحتلال، وحيث أن المساجد والمقدسات العربية الإسلامية هي التي تتعرض للحرق والتخريب والاغتيال، فلا بأس لدى العالم المذكور ببيان إدانة.. وكفى الله شر المؤمنين….!
فأين العرب والمسلمون اذن من كل هذه الجرائم الصهيونية؟ ولماذا لا يتحركون على نحو جدي وحقيقي وعروبي مسؤول؟ ألا تعنيهم فلسطين والمقدسات إلى هذا الحد؟ ألا يدركون أن خطر بني صهيون هؤلاء المنفلتون الذين يعيثون فسادًا وتخريبًا في الجسم العربي الفلسطيني على مدار الساعة، لن تقف حدودهم عند فلسطين، وإنما أن اشتد عودهم أكثر فأكثر لسوف يتمددون إلى المحيط العربي؟!
نواف الزرو
