ليس حولي ماءٌ
في فمي الماءُ
فما أتكلّمُ إلا بالإشارةِ.
لعلّ هذا المقطع الشعري مفتتحٌ جيدٌ لقراءة مجموعة (المياه تخون البرك) لعوض اللويهي، الصادرة عن فضاءات للنشر والتوزيع والجمعية العمانية للكُتّاب والأدباء عام 2013م، والتي يُقدّمُ من خلالها اشتغالا حيّاً في الصورة الشعرية، وارتباطاً دلالياً مكثفاً بين المرأة/الأنثى والماء في أكثر نصوص المجموعة. إنّ المرأة والماء دلالتان بارزتان في المجموعة، فقد عملتا على استنطاق النصوص، والدخول إلى عالمها البنائي، وتوليد الصور، وحضور المفارقات الشعرية والدلالية، والاشتغال على الإحالات النصية على الواقع، وغير ذلك مما تتسع له المفردة المائية في التكوين الشعري. إنها لغة الإشارة التي يلجأ لها اللويهي في تحطيم ثوابت الكتابة الشعرية عن مسارها التقليدي، ومعها يلجأ إلى الإضمار تارة، وإلى التعليل وإيضاح المسببات، واعتماد التشكيل الشعري دلالة ومعنى.
وعلى ذلك نلحظ الانتقال في مضامين الكتابة الشعرية عن النمط السائد في التعبير، والتغيير الحاصل في تطور اللغة الشعرية؛ إنّ مفردة الماء على سبيل المثال وارتباطها بالبيئة حاضرة لا شك في الشعر العربي في عصوره المختلفة، ولكنّ الاشتغال الحديث أوجد للمفردة دلالات تتعالق مع النص الشعري لإيجاد معانٍ وصور مبتكرة ومتخيلة، فالشعر بمفهومه الشامل يتطور ويتوسع بمرور الزمن، ويُقدّمُ وظائف أوسع ورؤى أشمل، وفي ذلك يقول عزالدين إسماعيل: “فهو -أي الشعر- يعيش بالتعبير، وهو دائم التجدد بما يدخل فيه من مستويات جديدة، وفن جديد. وما كان كافيا لفترة من الفترات لا يمكن أن يكفي أخرى”. (الأسس الجمالية في النقد العربي، ص291).
يحاول عوض اللويهي في نصوص مجموعته بناء صورة مائية متعدّدة الأشكال، وتأتي هذه الصورة على هيئة ذاكرة محملة بالحزن، ومرتبطة بالموت والخراب والعطش والفراق، فتتسع الدلالة التي يسعى الشاعر لإيجادها حين يكثّف هذه الصورة مستعيداً المفردات الدالة على الماء، والمترادفة معها، ولنا أن نقف على أشكالها، وتكرارها في غير موضع من المجموعة، ويمكن أن نقف على هذه المترادفات مثل: (وردت لفظة الماء في المجموعة 70 مرة، والنهر 11 مرة، والقطرة 10 مرات، والمطر 7 مرات، والبلل 7 مرات، والسيل 4 مرات، والغرق 5 مرات، والبحر 3 مرات، والنبع 3 مرات، والبحيرة مرتين، والعطش 4 مرات، والبركة 4 مرات، والوادي 4 مرات، وكل من الطوفان والمضيق مرة واحدة).
إنّ الاشتغال على التوسع في مفردات القاموس الدلالي للماء هو توسعٌ صادرٌ عن وعي يقصده الشاعر، إذ يقابله التوسع في بناء الصورة، واستعادة المشهد الحي الواقعي، فحين نقرأ نصَّ (سدرة السيل، ص11) نجده يربط صوره الشعرية بمشهد واقعي حي، يعمل من خلاله على توسيع المخيلة، يقول:
لن أكون سدرة السيلْ
السدرةُ التي اقتلعها السيلُ في طريقه
السدرةُ التي احتجزتِ السيلَ وراءها
عندَ المضيقْ
السدرةُ التي انكسرتْ
فأغرق السيلُ
المدينة.
إنّ الشاعر هنا يقدّم صورة مبتكرة لـ(براءة الماء)، يقابلها صورة (جنائزية) مرتبطة بالشجرة/ الأنثى، فهو يتحكم بمفردة الماء التي تمثّل انزياحا إلى البراءة المطلقة في العالم الواقعي، فيتعاطى معها شعريا، لذا فإنه ينتقي دلالاته بدقة ووعي، وفي سبيل هذه البراءة فإنه لم يُعبّر بجملة (لن أكون ماءً)، بل قال (لن أكون سدرة السيل)، ورغم عنفوان الماء وقوته في النص باقتلاعه السدرة فإنه قدّم صورة واعية لفكرته بأنّ الغرق ناتجٌ عن انكسار الشجرة التي كانت تسدّ المضيق أمام الماء. هنا يظهر التلاعب بدلالات الأفعال وترتيبها الترتيب الأمثل: (اقتلعها، واحتجزت، وانكسرت، وأغرق) التي تضم معها مفارقات القوة والضعف.
هذه الصورة التي اختارها الشاعر وُجدتْ في أكثر نصوص المجموعة، ومعها برزت علاقة الارتباط بين دلالات الماء وصورة المرأة، وهذا ظاهر باستقراء النصوص، بل إنّ ذلك يظهر في العنوان نفسه، فبالنظر في عنوان المجموعة يظهر لنا أنّ اللويهي يربط بين الماء والخيانة التي هي فعل بشري، ولأنّ الفعل (تخون) هنا مؤنث وجاء مرتبطاً بالمياه المؤنثة فإنه يقدّم دلالة وإحالة على ارتباط الصورة المائية بالعنصر البشري/ الأنثوي متجهاً إلى فعل الخيانة لاستكمال حاجاته الشعرية، ونلمح ذلك في نص (خيانة المياه/ خيانة البرك، ص63)، إذ إنّ المشهد الذي يقدّمه النصُ مرتبكٌ تدلُّ عليه الدلالات والمفردات نفسها، وفعل الخيانة يسيطر على النص بفضح أفعاله، وبإيجاد صراع داخلي بين عنصرين مُكمّلَيْنِ للنص الشعري، عنصر الماء والعنصر المؤنث الذي تحيل عليه لفظة البركة. إنه صراع يتقاطع مع الوجود والواقع والحياة الإنسانية لحظة صراعها وتدافعها الكوني.
هذا الارتباط أيضا يحاول من خلاله اللويهي كسر حدود الأجناس الأدبية بتقديمه نصا يتداخل فيه الشعر مع السرد، والإيقاع مع اللغة، فنجد أنّ ارتباط الماء باللغة المؤنثة ينقل النص من كتابة شعرية لها ثوابتها واشتغالاتها إلى الكتابة السردية المتمثلة في القصة القصيرة جدا، ويمثّل نص (حوار، ص167) هذا التداخل بين السرد والشعر، فيُقيمُ علاقة نصية في ذهن القارئ على هذا التحول. يفتتح النص على ارتباط قائم بين السحابة/ التأنيث، والنُّهَير (تصغير نهر)/ التذكير:
كانت سحابةٌ تقولُ لنهيرٍ يكادُ أنْ يجف:
أعرني بعضَ بخاركَ حتى أسقيكَ من مائي
فقال لها:
ما أدراني إنْ كانتِ الريحُ ستقذفكِ
بعيدا عن تدفقي
أم أنَّ للبرقِ فيكِ اشتهاءاتٍ
لا أدري مساراتها؟
ضحكتِ السحابةُ من فطنةِ النهير
بلَّلته ثم مضتْ للبعيد.
وترد نصوص عديدة قائمة على مثل هذا الارتباط لعلَّ الشاعر قصد من خلالها وظائف محددة يقوم عليها النص من بناء الحزن، منها على سبيل المثال في شخصية الأم بعد ترملها (ص15)، وعلاقة التحول والتغيير والارتباط الوجودي المتمثل في العلاقة بين الشجرة والماء، مثل نصوص (ارتباط: ص11، وتعليل: ص39، واتجاه الموت: ص51، وبلاهة الطيور- حماقة الماء: ص119)، ووظيفة توالد الصور وإعادة بنائها أو خلقها شعرا في النص مثل نص (قطرة ماء: ص43) الذي يتخيّل من خلاله الواقع فيعيد تكثيف الصور واستعادتها ومحاولة فتح دلالاتها مرة أخرى وفق متغيرات الواقع نفسه.
وبارتباط صورة الماء بالمرأة أقف على نص (نشيد الأم في صباحها الأول بعد الترمل: ص13)، إنه نص يقود إلى التداخل الذي نتحدث عنه بين الماء والمرأة، فتحمل دلالات النص انزياحا إلى جهتين: جهة الماء وتلاواته وصلواته البكر، وجهة أخرى إلى المرأة/ الأم المتّشحة بالسواد والحزن لا سيما في ارتباطها بصورة الماء.
في هذا النص يتداخل الماء مع الطبيعة والإنسان، لا سيما في تعبيره عن الحزن، فدلالة الماء صامتة، ودلالات الطبيعة متحركة تقترب من الوجع والخوف والحزن والحنين، فــ:
كلما غسلْنا أعناقنا بالماء
لوتِ الريحُ رقابنا
وانزاحتْ وجوهنا بعيدا عنكِ.
ويمضي النص في تفجير دلالات الحزن لدى المرأة بارتباط الماء وشهيق الغرقى ببالونات أعياد الميلاد ومعاجين الكريمة الطازجة على ضفاف المائدة، وارتباط البلل بالفرحة الناقصة، إنه التضاد الذي يمنح النص توهجاً موزّعاً بين الحزن والفرح، لكن ما سرُّ السوداوية في العلاقة المتفجرة كلما ذُكر الماء والحزن في غير موضع من نصوص المجموعة؟ سؤال يكشف عن بواطن النفس التي يؤرقها الماء ويطرح أسئلته ووجوده عليها، ويقدّم قراءة متخيلة لصورة الماء في اشتغالات النص.
إنّ الماء يرتبط بالكشف أيضا حين تتعالق صورته بالتناص الديني:
لا تكشفي عنا أيتها الأم
سكينة التابوتِ وتواطؤ الماء
دعي أذن الغفلة تنزاح قليلا
عن زوائد البشارة
كي نشبعَ منكِ
وكي نُحِسَّ بعظامكِ
وهي تعيدُ إلينا ألفةَ الأسرَّةِ
ودف العشاء على المائدةْ.
إنّ سرَّ الماء لدى الشاعر مخبوء تحت غطاء الوجع والحزن، ومعه نستكشف الصور المختبئة ونعيد قراءة انزياحات النص الشعري الحديث بناء على توزّع الصور والدلالات. إنها محاولة لإسقاط أسماء الحياة عنا، واستبدالها بالشعور والإحساس واللفظ المشترك المتبادل حين يقوم النص بحركة موازية تجمع بين الأضداد والمتغايرات، وهذا ما اشتغل عليه اللويهي بتقديمه صورة موازية وحركة شعورية مقابلة لطغيان اللغة وتقاطعاتها مثلما نلمحه في المقطع الآتي:
عند مصابّ الأوديةِ
نرى أصواتنا أكثر شباباً
الحجارةُ هناكَ من ليونتها وشفافيتها
نكادُ نُبصرُ بكارةَ المعادنِ فيها
هناك امنحينا أيتها الأم
ما يليق بنا من زرقةٍ
نحملها بديلا عن أسمائنا.
