الحائز على جائزة نوبل للآداب 2021 في أول لقاء جماهيري بالشارقة
الرواية الأولى أخذت 12 عاما، ورفضت من دور نشر كثيرة وفكرت بالتوقف عن الكتابة –
استضافت إمارة الشارقة ممثلة في هيئة الشارقة للكتاب المؤلف العالمي د.عبدالرزاق قرنح الحائز على جائزة نوبل للآداب 2021 للحديث عن الجائزة وأثرها عليه، والحديث عن مسيرته في الكتابة منذ البداية وإلى ما وصل إليه ونيله ثقة نوبل للآداب والحديث عن أشياء أخرى عديدة، وذلك في أول لقاء جماهيري نظمته الهيئة ضمن فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الأربعين.
بداية تحدث «قرنح» ذو الأصول الأفريقية عن خبر نيله الجائزة، فقال: إنه كان يتناول الطعام وفي الأثناء تلقى اتصالا هاتفيا من رقم غريب، ليخبره المتصل بعد التحية والتأكد من هويته بأنه الفائز بجائزة نوبل للآداب لعام 2021، إلا أنه ظن الاتصال مزحة، ليسترسل المتصل بأسلوبه المؤدب مؤكدا له بأنه صاحب الجائزة، وما أن انتهى الاتصال حتى بدأ الخبر في الانتشار في شتى المواقع الإخبارية والقنوات، فقط حينها تبدد الشك باليقين.
وقال «قرنح»: «الأمر رائع جدا أن أحصل على نوبل للآداب، بدأت الاتصالات تنهمر من شتى الوسائل الإعلامية والصحفيين الذين يريدونني أن أتكلم عن تلك الجائزة، ولكن كان الأروع رؤية السعادة على وجه عائلتي، وأصدقائي، والمقربين مني، ومن أشخاص لا أعرفهم توافدت اتصالاتهم جميعا بالتبريكات وتعبيرات السعادة».
الصدق
وحول سؤال مقدمة الجلسة عن كيفية القدرة على الكتابة بعمق وبأسلوب رائع وآسر، أجاب «قرنح» بقوله: «حينما أكتب فإنني أحاول قدر الإمكان الوصول إلى الفكرة، إلى الصورة التي في خيالي، أحاول قدر الإمكان أن أكون صادقا في الفكرة وأن اجعلها جميلة، وهذه الأمور تسير على قدم وساق، وقد قلت (صادقا) لأن ذلك مهم جدا لجعل الفكرة جميلة وحقيقية، ولا يعني أننا لا نكذب ولكن نحاول أن نكون صادقين لكي نفهم ما نكتبه، وبذلك نستطيع سماع الكلمة، الكلمة عندما تكون صادقة فإنها تُسْمَع».
أفكار
وعرج «قرنح» بالحديث عن الأفكار وتأثره بالأحداث، إذ أشار إلى أن طفولته في زنجبار كانت مرتبطة بالبحر، فقد كان يرى البحر من خلال نافذة منزله، وتأثر بالبحر الذي يبدو أنه بلا نهاية لتدور في ذهنه الأفكار والخيالات منذ الطفولة، ويرى القادمين من البحر من مختلف الأعراق والأجناس كل ذي هوية مختلفة وثقافة غريبة بالنسبة له.
كما أشار إلى الأحداث التي تكون مصدر فكرة للكتابة، قائلا: «في سنوات سابقة حدثت حرب في أفغانستان، وذلك قبل طالبان، هذه الحرب أدت إلى الكثير من الأحداث الغربية، ومنها خطف طائرة بمن فيها أثناء تحليقها في رحلة داخلية، كان طلب الخاطفون أن تتوجه الطائرة إلى لندن، وما إن وصلت تقدم الخاطفون بطلب اللجوء السياسي، والأمر لم يسرِ على الخاطفين فقط، بل تقدم المخطوفون كذلك بالطلب نفسه صغارا وكبارا رجالا ونساءً، ما استوقفني في هذه القصة الحقيقية أن مدبر الخطف رجل عجوز يبلغ الستين من العمر، فقلت في نفسي ماذا يريد هذا الرجل من اللجوء، هنا بدأت نواة قصة».
قصة اللجوء
كان عبدالرزاق قرنح لاجئا منذ كان عمره 18 عاما، وحول ذلك قال: «اللاجئ شخص خرج من رحم المعاناة، أرى أنه شيء نبيل أن نقول أننا لاجئون، أن نكون حقيقيين في ذلك، أن نكون أصحاب رؤى مستقبلة وطموح بحال أفضل رغم المخاطر المحدقة باللجوء في بعض الأحيان، بالنسبة لي لم يكن اللجوء مسألة حياة أو موت، كما هو حال الأفغاني الذي أشرت إليه، فقد طلبت اللجوء وأنا في رحلة طيران عادية، خرجت رفضا للوضع السياسي وطلبا للرضا، خرجت من دولة سلطوية حد الغباء».
بداية الكتابة
وتطرق عبدالرزاق إلى بداياته في الكتابة، وكانت البدايات الأولى متواضعة جدا، مجرد كتابات لأفكار لم يعتقد أنها ستكون رواية في يوم من الأيام، أو لم يكن مخططا لها أن تكون رواية، مشيرا إلى أن الأمور المعززة للإبداع لم تكن حاضرة مثل ورش الإبداع الخلاق، أو الفراغ الكافي للعزلة والكتابة.
وقال عن أول رواية كتبها: «استغرقت من أول رواية 12 عاما لخروجها كإصدار، لم يكن الأمر خاصا بالرواية فقط، بل بأمور أخرى أثرت على هذا التأخير، الانشغالات الكثيرة، العمل لساعات طويلة، الدراسة المجهدة، التحضير للدكتوراه، قدمت الرواية لعدد من دور النشر على شاكلة كومة أوراق كبيرة، العديد من دور النشر ردت علي بالرفض، حقيقة راودني شعور أنني يجب أن أتوقف عن الكتابة، قبل المحاولة الأخيرة مع أحد أكبر دور النشر في ألمانيا والتي تضمن نخبة من المراجعين والمحققين، وأرفقت مع كومة أوراق الرواية رسالة قلت فيها (أرسلت للكثير وقالوا لا،، حان دوركم لتقولوا لا)، ولكنها كانت الدار التي من خلالها رأت روايتي النور».
وحول سؤال من هو ملهمك في الكتابة، أجاب قرنح: «لا أعرف الإجابة حقيقة، ربما تأثرت بكاتب في مرحلة وخاب ظني به لاحقا، الحياة تلهم، المواقف، والعديدون دون أسماء محددة».
عناصر الرواية
وكان «عبدالرزاق قرنح» حكما في إحدى مسابقات الرواية، وحول أهم عناصر الرواية قال: «بالنسبة لي العمل الكتابي هو بمثابة مقطوعة موسيقية متناغمة، القطعة الموسيقية قد تلهمك دون معرفة الأسباب، إلا أنها تلامس الروح، والكتابة كذلك، فبالنسبة لي لا أغلب عنصرا على آخر، أو لا التفت للعناصر، إنما أقرأ وأتفاعل، أقرأ دون أية قيود، أنتظر أن يلامس ما أقرأه روحي وعقلي».
كيفية الكتابة
يعتمد بعض الكتاب على كتابة المسودات، ثم عرضها على المقربين والنخب لأخذ المشورة، الأمر مختلف عند «قرنح»، وفي هذه النقطة أشار بقوله: «انتشرت فكرة أنني لا أكتب المسودات، بالعكس فأنا اكتب المسودات، ولكن فكرة المسودات عند البعض أنها مادة قابلة للتعديل وفق آراء عدد من الأشخاص، ولكنني أكتب المسودة ولا أحد يطلع عليها سواي، وربما زوجتي، حتى تخرج برواية كاملة دون أي تدخل من أحد».
وتابع: «قد تستغرق مني الكتابة أشهر، وربما سنوات، أنا أدون الملاحظات والأفكار، وأجمعها، ولكن حينما تحين الفرصة أصب كل اهتمامي بها والأمر بمضي قدما حينها».
أسئلة الجمهور
وفي نهاية الحديث الذي استمر لحوالي ساعة كاملة، فتح المجال للحضور الغفير لطرح الأسئلة، ومن الأسئلة التي طرحت لماذا لم نرَ ترجمات سواحلية لروايته، بما أن زنجبار موطنك الأصلي، فأجاب: «لم يرد أن ناشر في زنجبار أن يترجم».
وورد سؤال آخر، أن الكثير من المآسي عايشها الكاتب، فماذا يختار منها لتكون مشروع رواية، فأجاب: «الأمر متصل بفكرة الرواية، وعموميتها، التجار الفردية المأساوية كثيرة، ولكن ألتفت إلى ما يعيشه الكثير، المآسي العامة التي يجب التطرق لها وتكون ملهمة».
كما طرح أحد الحضور تساؤلا، عن رأيه في تاريخ نوبل للآداب، حيث يعد هو الكاتب الافريقي الرابع على تاريخ الجائزة، فأجاب قرنح بقوله: «خذ الجانب الإيجابي، هناك أربعة من أصول أفريقية نالوا الجائزة.
كما سأل أحدهم، أيهم أكثر عطاء، الكتابة لك، أن أنت للكتابة، فأجاب قائلا: «أنا ربحت من خلال الكتابة».
واختتمت مقدمة الجلسة بسؤال «ما الذي يدور في بالك الآن»، فأجاب بقوله: «لا أناقش فيما أكتبه الآن».
وعقب الجلسة الحوارية استقبل قرنح الجمهور المقتني إصداراته للتوقيع عليها.

