
الدار البيضاء، في 24 أغسطس/ العمانية/ خصص بيت الشعر بالمغرب العدد الخامس
والثلاثين من مجلته “البيت” لتجربة الشاعر والروائي الأردني الراحل أمجد ناصر.
وكتب محمود خير الله عن ناصر قائلاً إنه كتبَ قصيدتَهُ الشعريّة وأعماله الإبداعيّة كلّها
بنيّة أن تكون “وثبة هائلة إلى المجهول”، لكنّها وثبة الشاعر المُغامر الذي يبحثُ عن
الأرض التي لم يَطأها غيرُه. وأضاف: “بدا لي أنّ أمجد مِنْ هؤلاء الشعراء الذين كلّما
استهْلَكَتْ قريحتُهم الشعريّة شكلاً، عَملوا على هدْمِهِ بحثاً عن أفُقٍ جديد”.
وتابع بقوله: “أمجد ناصر من الذين لفَتوا إلى أنّ قصيدة النثر وُلِدَت على الورقة، أي
كتابيّاً، على عكس القصيدة الحُرّة، وأن قصيدة النثر ليس لها أصلٌ شفَويّ، كما هو حال
الشعر الموزون أو الحُرّ، وأنّ قصيدة النثر تخلو من وظيفة الوَصف بغرضيّة منطقيّة،
فبفَضْل عُنصر اللاغرضيّة يتخلّصُ السّرد الذي هو سِمَة رئيسَة في قصيدة النثر، من
منطقيّته النثريّة، فهو ليس مُخطّطاً روائيّاً يُريد أنْ يصِلَ إلى نتيجة ما، وإنما غرضه
غرض فنّيّ جَماليّ محْض”.
أما عبد المجيد حسيب فتوقف عند ما أسماه “غدر الزمن” في رواية أمجد ناصر “حيث لا
تسقط الأمطار” قائلاً: “جاء أمجد ناصر إلى الرواية عن طريق الشعر، لأنّه يُعَدُّ واحداً من
شعراء الحداثة، الذين انحازوا، في العالم العربيّ، إلى قصيدة النثر بوجْه خاص”.
وأضاف إن نصّ “حيث لا تسقط الأمطار” يمكن عدّه رواية عن الاستبداد، والنضال،
والمنفى، والحبّ، والانتهازيّة، والشعر، والصداقة. غيْر أنّ مَوضوعة “غدر الزّمن” تبقى
واحدةً من أهمِّ الموضوعات التي حاولتْ، هذه الرواية، مُقاربَتها.
وأكد أن هذه الرواية ليْسَت مجرّد عمل أدبي عن الصراع بين المُثقّف والسلطة، وليست
مُجرّد رواية عن المَنفى وأوجاعه، بل هي، أيضاً، رواية عن الزمن ومَكره ومُفاجآته التي
تُباغتُ الإنسان من حيث لا يَدري.
وقال عيسى مخلوف في مقالته المعنونة “أمجد ناصر في أرض الحُبّ”: “مِنْ (رُعاة
العزلة)، وهو كتاب الخُروج إلى المَنفى، إلى (مُرتقى الأنفاس)، وفيه سيرة المَطرود مِنْ
أماكنه عبْر شخصيّة أبي عبد الله الصغير، آخِر مُلوك غرناطة، واصلاً (إلى آخر نفَس)،
يَرتسمُ ملمحٌ أساسٌ في شعر أمجد ناصر: الإحساس بالخَسارة. ويتمّ التعبير عن هذا
الإحساس بِلُغةٍ حديثة، مُبتكَرة وخاطفة. لغةٌ تعلو فيها نَبْرَةُ النشيد الذي تَضيقُ به القصيدة
والذي يَسطعُ في الكلمات وما وراء الكلمات”.
وتوقف مخلوف عند كتاب “سُرّ من رآك” الذي “يَحشدُ فيه الشاعرُ تقنيّاتِه وأدواتِه
وتعابيرَه الأقرب إلى الإشارة لينشدَ في الجَسد نشيداً قلّما طالعنا بمثل هذا البَهاء في اللغة
العربيّة”. وقال في هذا السياق: “مِنَ الشعر يأتي أمجد ناصر. نزِقاً وناصعاً ومتمرّداً. من
هذا النّوع من الشعر الذي يدفَعُنا إلى التساؤل عن إمكانِ وُجودِ الإبداع في زَمَن يَتَعَوْلمُ فيه
الرُّعبُ ويطرد الإنسان خارجَ ذاتِهِ ورُوحه، وخارج لحظةِ التأمّل المُشرقة التي تُولد فيها
القصيدة. لكنّ القصيدة هُنا حاضرةٌ بكلّ سُطُوعها وجَماليّتها، وبقُدرتها على الاقتراب مِنَ
الأشياء الضّائعة مُنذ بدايةِ العالم”.
وكتب محسن العتيقي عن تجربة ناصر قائلاً: “كان الماضي المُتّصل هو الذي يُغري
شَهوةَ الكتابة عند أمجد ناصر. ورغم مَعرفته به، فإنّ هذا الماضي بالنسبة لشاعر يُقرُّ بأنّه
ليس راعي الذكرى ولا مُدبِّر شؤون الحنين، لا يقلُّ غُموضاً والتباساً عن الحاضر. لقد
كان الفنُّ عنده يتصدّى في المَوضوعة التاريخيّة لِمَا هو غير تاريخيّ بالمرّة. ولمْ يكُن هذا
المفهومُ ليُعرّفَ جَوهرَ الكتابة، فحسب، وإنّما ليَجْعَلها، بشَكل خاصّ، لحظةً مفقودة يَسعى
الكاتب إلى اكتشافها، وهي لحظة استثنائيّة لا يَمنحُها المُؤرِّخُ عنايَته. إنّها، بتعبيره: طبقة
تحتيّة بعض الشيء حيث يَثوي الفُقدانُ وتتبدّدُ الأحلام ويتخثّرُ الحنين”.
وتضمّن الملف النص الشهير الذي كتبه أمجد ناصر بعد فشل علاجه من مرض
السرطان، وذلك قبل وفاته بزمن قصير، ومنه”: “مَن يحمل عبء الآخر: الاسم أم الجسد؟
هذه المرة عرفت أن الاسم سيد التخلي. ماذا يبقى من الاسم؟ جرح الولادة، ندبة الموت،
لا شيء. تحت الاسم اسم. اكشطه سترى الترسبات الألفية للجفاف الذي استمر طويلاً هنا.
أسئلتي كانت أسهل عندما كان اسمي يمشي جانبي كرفيق غير مرغوب فيه. من منا
المصاب بالورم، ويرزح تحت الكتلة؟ جسدي أم اسمي؟”.
وتضمّن العدد إلى جانب التقديم والديوان الصغير الذي ضمّ مُنتخبات من مجموعات أمجد
ناصر الشّعريّة، مقالات لعدد من الكتاب والشعراء العرب، منها: غرّة أمجد ناصر (نصر
جميل شعت)، والكتابة وهواجس إبداع الشكل (نبيل منصر)، وإشارات الطريق إلى
أرض القصيدة (يوسف ناوري)، وقلق الأماكن في شعر أمجد ناصر (رشيد يحياوي)،
والعابر في حياة كسرد مُتقطّع (محمد آيت لعميم)، وكتابة الجسد في “سُرّ من رآك” (رشيد
الجابري)، والأهواء ودلاليّة الخطاب: قراءة في تجربة أمجد ناصر الشعريّة (محند
كديرة)، وشعريّة السرد وأفق الوعي في رواية “هنا الوردة” (عبد الرحيم أخ العرب).
يُذكر أن مجلة “البيت” التي تصدر بدعم من قطاع الثقافة في المغرب، يديرها الشاعر
حسن نجمي، ويرأس تحريرها الناقد خالد بلقاسم.
/العمانية /174
