أدب الحرب، ليس بمصطلح جديد يبرز على الساحة الأدبية، فهناك كتب وكتاب كثر رصدوا الحروب وما رافقها من مآس إنسانية، على مر التاريخ، وفي هذا الموضوع سأحاول أن أتوقف مع هذا النوع من الأدب الذي ظهر في سوريا أو من المفترض أن يظهر قبل أن تنجلي غبار الحرب من الساحات والمدن والأرياف التي شهدت الفجائع الكثيرة.
لست أرصد هنا عمن سيكتب التاريخ، وكلنا يعرف المقولة الشهيرة “التاريخ يكتبه المنتصر” ولكن أحد الأدباء العرب حدثني ذات يوم عما تحمله سوريا من أحداث يصلح كل منها لرواية عظيمة أو ملحمة شعرية تحكي عما عانته البلاد وما جرى للإنسان على مدى السنوات العشر الماضية، فقلت له من سمع ليس كمن رأى يا صديقي، لقد عشنا تفاصيل الدقائق والساعات والأيام بكل ما تحمله من مرارة وقهر، عايشنا كل اللحظات بمرارتها وقسوتها، حفظنا عن ظهر قلب كل نبرات الأنين الصادرة من أرواح عانت ولا زالت تعاني وستعاني على مدى عقود قادمة ولا أعتقد بأن الزمن والنسيان سيتكفلان بمسح الندوب التي حفرت بها عميقا.
حاولت في هذه المادة أن استطلع آراء بعض من الكتاب حول هذا النوع من الأدب وهل تبلور بشكل مقنع ليجسد ما حدث، وكيف يمكن أن تكون رؤية الكاتب في داخل البلاد عن الكاتب خارجها، ولمن ينحاز الكاتب في كتاباته، تعالوا نتابع، ثم سأعلق.
الكاتب والصحفي سهيل الديب، تغليب الأهواء لا ينتج أدبا حقيقيا
“أدب الحرب برز للوجود مبكرا ومنذ السنوات الأولى للحرب على سوريا بكل أطيافها وقد استطاع الكثير من الكتاب والروائيين خاصة والشعراء بطبيعة الحال لأنهم سريعو الانفعال تجسيد ورسم المعاناة التي عاناها السوريون بكل أطيافهم وسأذكر روايتين فقط للروائيين محمد الطاهر في روايته “شمو” ومحمد الحفري في روايته “ذرعان” أو “جنوب القلب” أما أنا فقد بدأت بكتابة رواية الحرب منذ العام 2012 بروايتي “زناة” وفيها أتحدث عن الدمار الشامل الذي حل بالوطن كله والنزوح الجماعي وغير ذلك من المآسي، وأتبعتها في العام 2018 برواية “آي أم” وهي تتمة لرواية زناة” وأستذكر ما حل بأحد أبطالها الذي قتل في تفجير الأزبكية في ثمانينيات القرن الماضي لأحييه واجعله بطل هذه الرواية التي ركزت فيها بشكل يكاد يكون توثيقيا على المذابح التي حدثت في منطقة عدرا العمالية وعشرات الجرائم التي ارتكبها الدواعش خاصة في قرى اللاذقية والقرى الكردية واليزيدية وأسماء الأبطال الحقيقيين ريحانة الكردية وغيرها ثم اتبعتها برواية “امرأة متمردة” لتكتمل ثلاثيتي عن الحرب التي شملت كل سوريا وساحتها الرئيسة أوغاريت السورية ومعناها الحضاري والتاريخي والتي أحييتها لتكون شاهدا على الفظائع التي حدثت والتي غفل الإعلام المعادي عن ذكرها ووثقتها للتاريخ محاولا جهدي أن أكون موضوعيا جدا في سرد بعض أحداثها ولم تكن القصة بعيدة عن الحرب وإن حاول البعض الابتعاد عن ذكرها، وأنا واحد من كثيرين تحدثوا في قصصهم عن الجوانب الاجتماعية والاقتصادية التي آلت إليها أوضاع الناس من هجرة وفقر وتشريد وجوع وتسول وانحطاط أخلاقي أيضا وبيع أجساد النساء مقابل الخبز أحيانا وبيع الأطفال كقطع تبديل حين خطفهم إلى دول مجاورة مثل لبنان وتركيا، أما الشعر الحق فقد دأب الشعراء منذ بداية الحرب على التغني بدمشق وحتمية انتصارها التاريخي على أعدائها ومن هؤلاء الشعراء الفطاحل اذكر علوش عساف الشاعر الكبير الذي عرى الحرب واصفا إياها بالكارثة الوطنية”.
أما عن سؤالنا هل سيكون هناك قواسم مشتركة بين الأدباء في الداخل والخارج رد الديب قائلا “لا أعتقد ذلك فمن عاش الحرب وضاق ويلاتها ورأى تبعاتها في كل مناحي الحياة لا يمكن أن يجاريه في ذلك من كتب من خارج البلاد يسمع عن الحرب بوساطة تلفاز قد يكون عدوا أضف إلى ذلك فإن الأهواء تلعب دورا في هذا المضمار وهذا من طبيعة الإنسان فمن يكن في المعارضة مثلا لا يمكنه أن يكتب مثل الذي بقي داخل البلاد لأن نزاهته على الأغلب ستكون مثار سخط وهزل وهذا لا يعني أن من بقي داخل البلاد ستكون نزاهته أكثر بل قرأنا لكثيرين غلبتهم أهواؤهم فأنتجوا أدبا يمكن أن يقال عنه أنه منافق أو مناف للواقع حسب منطقته الجغرافية أو دينه ومذهبه ربما. وهذا أدب لا يعول عليه في نقل ما حدث بصدق ونزاهة وباختصار شديد نعم هناك الكثير من روايات الحرب التي كتبت بكثير من الموضوعية والنزاهة منها روايات أيمن الحسن ونصر محسن ومنصور الحاتم”.
الكاتب رياض طبرة، انحياز للخطاب الوطني
“أعتقد أن السؤال على هذا النحو يحمل تجاهلا لأدب الحرب الذي انطلق وترسخ عاما بعد عام في مهمة واضحة رمت وترمي إلى تدوين وقائع هذه الحرب ومراحلها، مع ذلك يظل السؤال مشروعا وضروريا لما يحمله من رغبة في إطلاع القارئ العربي على ما وصل إليه الأدباء السوريون في هذا الصدد.
لقد صار لدينا رواية تنتمي إلى أدب الحرب وهي بالعشرات، وكذلك لدينا قصة قصيرة تنتمي إلى أدب الحرب، وكذلك لدينا القصيدة التي تعبر عن موقف من الحرب أو تداعياتها والكثير من مظاهرها.
معظم ما نشر من روايات وقصص انحاز كليا إلى الخطاب الوطني الجامع وإدانة الحرب واعتبرتها استهدافا لكل ما هو سوري، للدولة والنظام والشعب، لحاضر سوريا ولمستقبلها، لوحدة شعبها وأرضها أيضا.
ولم تخل بعض الروايات من تبني وجهة نظر الدولة السورية، أما وجهة النظر المغايرة والتي وقفت مع ما يسمى بالربيع العربي أو (الثورة) فلم تنشر في سوريا ولم تصلني أي نماذج منها.
لقد انحاز معظم من كتب إلى الوقائع فأحداث عدرا وما تعرض له أهلوها من جرائم القتل والذبح على الهوية وتقطيع الرؤوس أو سبي النساء فرضت نفسها على غير كاتب فسطر رواية أو كتب قصة قصيرة”.
الكاتب مقبل الميلع، انحياز الكاتب لطرف دون الآخر نقص نظر
“مهمة الأدب تسليط الضوء على العيوب والكوارث التي تحدث في المجتمع وهل هناك أخطر من الحرب التي تحرق الأخضر واليابس ربما تبدأ الحرب بغلطة ويسهم في إشعالها الجهل وضعف الانتماء وغالبا ما يكون بطل الرواية التي تتناول موضوع الحرب يحب وطنه ويضحي من أجله كي يصبح قدوة للقراء، لقد تعلمت أوروبا من دروس الحروب فقد اندلعت هناك الحربان العالميتان الأولى والثانية وحصدت الدمار والخراب ومنذ سبعين عاما لم تقم حرب جديدة على أراضيها فقد تعلموا أن الدم يجر دما، وأن الخراب يلد خرابا، وهنا يأتي دور الأدب في التوعية والإشارة إلى ويلات الحروب. أما عن التخصص بأدب الحرب فلا أعتقد أنه سيكون ملزما لكل الكتاب فهناك مواضيع كثيرة قد تستهوي الكاتب غير الحرب وبرأي إن رواية واحدة تعالج موضوع الحرب ونتائجه قد تغني عن كم مكرر خذ مثلا رواية “القطار الأزرق” التي كتبها سبعة أدباء قد أعطت موضوع الحرب السورية حقه فقد أدان الكتاب الحرب والقتل والهمجية الذي أدى إلى مرور البلاد بشبه مجاعة إضافة إلى هجرة الكفاءات التي يحتاجها الوطن. أما عن قضية انحياز الكاتب لطرف دون الآخر فهذا نقص نظر فليس هناك من رابح في حرب كالحرب السورية فالكل خاسر والخاسر الأكبر هو الوطن”.
الكاتب محمد أحمد الطاهر، الأزمات تصنع أدبا واقعيا
“من المتعارف عليه أن الأديب يتأثر ويؤثر في الواقع الذي يعيش فيه، والأدب هو نتاج طبيعي للعقل بشكل أو بآخر، والأزمات تصنع أدبا واقعيا وليس افتراضيا، ففي كل الحروب التي مرت على البشرية، كان هناك أدباء أنتجوا أدبا مؤثرا وقادوا من خلال فكرهم شعوبا وقادة وكانوا ملهمين روحيين لهم، وكذا هي الأزمات التي عصفت بالوطن العربي، هناك من الأدباء ورواد الفكر من تماسكوا وتعاضدوا بكتاباتهم من أجل شعوبهم، لأنهم أدركوا الخطر مبكرا، ودقوا ناقوسه، فولد ما يسمى بأدب الحرب وهو أدب واقعي لأنه أصدق تعبير عن واقع الحال، وعندما كتبت “مدينة الحزن” ورواية “أرض الجهاد”، ومن بعدها رواية “شمو”، أدركت بالمراوغة، أنني جندي يحمل رسالة خطها بقلمه، ووجدت نفسي، أقاتل بقلمي مع الشعب الذي يبحث عن وجوده التاريخي، شعب يريد الحفاظ على هويته وتاريخه، لأنه أبى الخنوع والانكسار، وهناك كتاب كثر في الوطن العربي وفي سوريا تكلموا بلغة عربية واحدة أن الإنسان أكبر قيم الحياة التي يجب أن تبقى نقية وبعيدة عن كل المراهنات، هذه هي رسالة الأديب في مجتمعنا العربي”.
اختلاف الرؤى
في هذا الموضوع أركز هنا على الجانب الإنساني الذي أحدثته الحرب المقيتة على أهل سوريا وما جرى فيها من ويلات ومن قصص مأساوية سواء في القتل أو الذبح أو الأسر والتهجير والنزوح والخطف ومسائل الطلاق والعنوسة وفقدان الديار والأحبة والفقر والثراء والسلب والنهب والطائفية البغيضة والمتاجرة بالبشر وغيرها الكثير من التفاصيل الموجعة، وربما لكل سوري رواية وقصة ينفرد بها عن غيره. فهناك كتاب فرضت عليهم الأزمة الخروج من البلاد أما كرها أو طواعية، وكتاب بقوا أما بسبب الرغبة في البقاء أو لعدم وجود فرصة للخروج بكرامة من الديار، وهناك من كانوا خارج دائرة النزاع أصلا ويعايشون ما يجري بطريقة أو بأخرى.
كما أفرزت الحرب السورية كتابا موالين للحكومة وآخرين معارضين لها، وكتابا مع الحراك الذي جرى والبعض الآخر ضده، وهناك ممن تعرض للعنف وعايش الوقائع، سواء كان مع أو ضد الحكومة أو الحراك الذي جرى.
وفي كل الحالات سيتناول كل كاتب الحالة من المكان الذي يقف فيه، وربما يميل هنا برأيه أو يميل هناك، حسب الموقع وحجم الضرر الذي عايشه، وهذه حالات باتت مؤكدة في المشهد الثقافي السوري ممن يتواجدون داخل البلاد أو خارجها، وهناك من يحمل راية الإنصاف للواقع ويحمل رسالة الأديب، ومن المفترض أن يكون القاسم المشترك بينهم هي المأساة السورية بمختلف صنوفها وفجائعها.
كل الكتاب مطالبين بتجسيد تلك المآسي وتأريخها بما ينسجم مع الحالة الإنسانية وليس الحكومية أو الحزبية والعقائدية وغيرها من التكتلات والرايات التي مرت على الأرض السورية.
باعتقادي لن يختلف أحد على التمسك بالأرض والوطن والهوية، وفي المقابل نتمنى كمتابعين وقراء أن يتم كتابة السنوات العشر للحرب التي نتمنى أن تتوقف فصولها هنا، بكل منطقية، وأن يكون هناك أدب حرب يوازي حجم ما عاناه ويعانيه السوريون، وما حصل في البلاد من إجرام ربما لم يشهد التاريخ مثله من قبل.
الطبقة المثقفة اليوم داخل سوريا وخارجها مطالبون بالانحياز للإنسانية التي أهدرت كرامتها على الأرض السورية وخارجها أيضا، وعدم البحث عن منتصر، فالكل خاسر هنا. لا نريد تدوين تاريخ المتحاربين المنتصرين أو المهزومين الذين لديهم حساباتهم الكثيرة، نريد أن يقرأ العالم ما فقده السوريون جراء هذا العبث الجنوني على أرضهم، وكم هي فاتورة الحرب كبيرة وباهظة الثمن، وكم من أم ذبح زوجها أمامها وكم من طفل يعاني الرعب، وما هو حجم الدمار المادي والنفسي الذي طال الجميع.
إنه التحدي الكبير أمام أدباء سوريا بمختلف مشاربهم الأدبية لكي يكونوا على قدر هذه المسؤولية، وربما كما قال لي أحدهم أن غبار الحرب لم ينقشع بعد، ولا زال الوقت مبكرا للكتابة عن ما يجري، وقد لا يستطيع البعض أو يجرؤ على الكتابة بحقيقة الأمور خوفا على حياته سواء كان في الداخل أو الخارج لأن أيادي العبث لا زالت طويلة، يجب الانتظار أكثر.

