قبل قرون بعيدة عندما ركب العمانيون البحر، وارتفعت أشرعتهم وسط أمواجه المتلاطمة كانت أخلاقهم ومبادئهم البضاعة الأولى التي يحملونها قبل أي شيء آخر، ويتمسكون بها باعتبارها هُويتهم التي تتناسخ عبر جيناتهم الوراثية جيلا بعد جيل وحداثة بعد أخرى. وفي كل ميناء ينزلون فيه كانت تلك الرسالة الأخلاقية السامية والرفيعة تهبط في الميناء قبل أي شيء آخر وتتمازج معهم لتشكل ماهية واحدة لا ينفصل بعضها عن بعض.
ورغم أن النظرية الحديثة تقول اليوم إن البضائع التي تصلنا من وراء البحار والمحيطات لا تأتي بمعزل عن ثقافتها وثقافة منتجيها إلا أن البحّارة العمانيين كانوا أول من أسس لهذا الفكر ومارسوه، وهم يحملون رسائل المحبة والسلام والأخلاق الفاضلة أينما وطئت أقدامهم في موانئ العالم من كانتون في الصين إلى أقصى الغرب حيث الموانئ الأمريكية، ومن “القسطنطينية” في الشمال إلى الطرف الجنوبي للقارة الأفريقية وأينما نزلت بضائعهم التجارية كانت تفوح منها روائح المحبة وأكاليل السلام.
وعندما بدأت سفينة شباب عمان رحلاتها الدولية منتصف ثمانينات القرن الماضي لتطوف في رحلات تحاكي رحلات العمانيين منذ القدم حيث تعبر من ميناء إلى ميناء من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ومن الصعود إلى الشمال إلى العودة إلى أقصى الجنوب كانت ترفع على صواريها رسالة المحبة والسلام تلك الروح الحقيقية للعمانيين لتؤكد للعالم أجمع أن الأثر الذي تركه الآباء والأجداد خلال رحلاتهم البحرية التي أسست لذلك الحضور العماني الكبير ما زال باقيا في أجيال الأبناء لا يمكن أن يتغير.
ومع انطلاق سفينة شباب عمان “الثانية” أمس في رحلة تطوف موانئ دول مجلس التعاون الخليجي في أولى رحلاتها في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله، تجددت الرمزية التي تحملها السفينة في جميع رحلاتها، لتؤكد أن رسالة السلام العمانية مستمرة ونهجها في مد جسور المحبة شراع مرتفع لا ينزل أبدا، ونهضتها المتجددة هي امتداد تاريخي عريق لكل تفاصيل عمان: للدولة والإنسان والقيادة والقيم والمبادئ والأمجاد الضاربة في عمق التاريخ.
ولم تخفَ الرمزية في أن يقوم بتوديع السفينة وهي تبحر من عُمان إلى دول الخليج أمس صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم بن طارق آل سعيد وزير الثقافة والرياضة والشباب السيد الشاب في إشارة واضحة إلى استمرارية الرسالة جيلا بعد جيل.

