منذ أيام مضت كنت مرافقًا لفترة ليست بالقصيرة لوالدي في أحد المستشفيات، وكان من الطبيعي أن أرى كل يوم العديد من الحالات المرضية التي تتبادل الأدوار على أسرة العيادات المتوزعة بين الباطنية والجراحة وغيرها من مختلف الأقسام بالمستشفى، التي يبدأ معها المريض ليلته الأولى بصراع بغيض مع المرض تكون ثقيله على كل من يتواجد في تلك الغرفة ويقل تدريجيًا مع توالي الأيام التي تنتهي أغلبها بابتسامة رضا ولله الحمد إلا من حق عليه الأجل …
وكان للسرير رقم ( ٢٠) حكاية مختلفه هذا السرير الذي استقبل حديثًا رجل مسن( أعمى) يبدو أنه في العقد الثامن من عمره يدعى “العم سليمان” يقال أنه أحضر من دار الرعاية، بسبب تعرضه لكسر في فخذ رجله اليسرى، الغريب أن العم سليمان وخلال وجوده بالمستشفى لأكثر من ١٠ أيام لم يزره زائر ولم يذكره ذاكر!!!
وكنت اتساءل هل من المعقول أن لا يكون لهذا الرجل أبناء، أو اصدقاء، أو مختلف المعارف لرحلة العمر الطويلة، ايُعقل أن يكون مقطوع من شجرة، لكن حتى الفرع الذي يقطع من الشجرة، يكون له أغصان، او نتوءات!!
أين المجتمع الذي شاركه مراحل حياته؟
أين من كان يشاركه المسكن؟
أين من سافر معهم أو عمل معهم؟
أين أصحاب القرية التي عاش وترعرع فوق ترابها؟
ألم تأتيها أخبار عن حالته الصحية ألم يصل إليها المرسلون!!
غريب أمر هذا الرجل!!
لذلك حاولت التودد والاستلطاف للعم سليمان لعله يتحدث عن حياته أو أهله، ولكن كلما كنت أتقرب منه لمعرفة جزء يسير عن حياته كان يبتعد بالصمت أو بتغيير الموضوع وكأنه لايريد أن يخوض في هذا الجانب، وكأن هناك سرًا لا يعلمه الا الله!
كنت أخشى أن أخرج من المشفى دون أن أرى أول رجل يأتي من أقصى المدينة يسعى لزيارته، علنا نعرف منه تفاصيل حياة هذا الرجل…
ألا ان كل المحاولات التي قمنا بها أنا وعدد من الممرضين باءت بالفشل لمعرفة أية تفاصيل عنه…
إلى أن جاء موعد مغادرته للمستشفى والعودة إلى دار الرعاية، عرفت ذلك من أحد الممرضين وهو يبلغه بخبر خروجه، وبأن أحد موظفي الرعاية سيأتي لأخذه، ولم يكن لهذا الخبر أي وقع على أُذن العم سليمان! لم يتغير شي من ملامح وجهه كان هادئا كعادته!
توقعت أن يكون مسرورًا، أو أن يبادر بردت فعل تناسب خبر الخروج من المشفى، فقلت في نفسي قد يكون يختزل اللهفه والفرحة حتى قدوم الموظف ونرى عناقًا حارًا بينهما، لأن العم سليمان تبدو عليه ملامح الطيبة والأخلاق الحسنة هذا ما لمسناه أنا والممرضين من خلال تعاملنا معه خلال الأيام الماضية …
كنت اتشوق لرؤية هذه اللحظة وكيف ستكون ردت فعله عندما يأتي الموظف لأخذه، كما أنها أيضًا فرصة للتقصي عن بعض المعلومات من الشخص القادم عله يذكر شيئًا من قصة العم سليمان…
عند الساعة الثانية عشرة ظهرًا أتى رجل متوسط القامة حسن المظهر يدفع كرسيًا شكله مختلفًا عن كراسي المشفى؛ قد يكون خاص بدار الرعاية..
سلم على العم سليمان كان سلامًا باردًا، صادمًا بالنسبة لي، وكأنه يتحدث مع شخص يراه دائمًا، مجرد تبادل أخبار الصحة والاطمئنان!
بادرت بالذهاب إلى الموظف للسلام عليه والثناء عليهم على أعمال البر والإحسان التي يقومون بها ، وهي فرصة أيضًا لعلي أحصل على بعض المعلومات عن العم سليمان، إلى أن يقوم الممرضين بتجهيزه ومساعدته في ارتداء ملابسه ولكن للأسف تبين لي أن الموظف “مجرد سائق” ولا توجد لديه تفاصيل كثيره!
بعدها كشف الممرضين الستار عن العم سليمان وهو يرتدي الدشداشة والعمامة البيضاء وإطلالة بهية لوجه جميل ذو بشاشة يختزل أسرار لا يعلمها إلا الله…
تقدمت إليه ووضعت قبلة على جبينه وهنأته على مغادرته المشفى، ولم تحدث أية تفاصيل تخيلتها في رأسي!
أدرت ظهري مودعًا له، وقبل وصولي إلى مكان اقامتي بالقرب من سرير والدي سمعت ما كنت انتظر حدوثه، كانت هناك “صرخة” مدوية من الفرح، لهفة كنت انتظرها، سمعته يقول الحمد لله انه “كرسيي” هذا “كرسيي” ونظرت خلفي وإذا هو يتحسس الكرسي بيديه والفرحة تملأ محياه، ويحتضن أطراف الكرسي، وكأنه يريد أن يضمها إلى صدره وكأن هذا الكرسي كل حياته أو أحد أبناءه وكأن الكون بالنسبة له في هذا الجماد، وكأن ما يعيش لأجله مجرد كرسي، ولسان حاله يقول الكل تخلى عني إلا أنت أيها الكرسي أنت صديقي وحبيبي وأخي وإبني، لم يبق لي إلا أنت سأحيا وأموت عليك!!
صمت غريب خيم على المكان الكل في حالة ذهول الممرضين ترى أعينهم تفيض من الدمع كيف لرجل أعمى أن يتعرف على كرسي كما يتعرف الناس على أبنائهم أي علاقه أي احساس هذا، صدمة أثارت الشجون وحركة المشاعر موقف اهتزت له الأبدان، جماد بلا روح يسكن قلب انسان، وتحرك الكرسي يدفعه الموظف والعم سليمان لسانه يلهج بالدعاء سبحانك اللهم وتحيته سلام بيديه النحيلتين ودعواه أن الحمد لله رب العالمين، ولقد ظلت أعيننا ترقبه إلى أن توارى عن الأنظار، وبعدها تفرق الجمع؛ لكي يداري كل من حضر الغصة التي في قلبه أو الدمعة التي في عينيه عن الآخرين…!
بعد كل ذلك وصلتني أخبارًا، لا أدري مدى صحتها، بأن العم سليمان كان لديه ابن معاق منذ ولادته، توفى عند بلوغه سن الخامسة عشر لم يرزق بغيره من الأبناء، وبأن زوجته بعذ ذلك أصيبت بجلطة أقعدتها على نفس “الكرسي” توفت بعدها بسنوات..!!
الإحساس بصيرة العميان
والجذع الأصم يسكن الأبدان
راشد بن علي الحجري

