د. سعيد توفيق
الفكر هو الذي يغير الواقع. هذا هو الدرس العميق الذي يمكن أن نتعلمه من الفيلسوف هيجل: فالعالم لا يتغير بذاته، وإنما الوعي هو الذي يغير العالم. وليس هذا القول بغريب على الوعي الديني الحق في الإسلام، فهو يتجسد في الآية الكريمة التي يحفظها كل مسلم: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. ذلك أن المعنى العميق هنا هو أن واقع الناس لن يتغير ما لم يتغير وعيهم. ولكن أزمتنا الحقيقية تكمن في تغييب هذا الوعي في علاقته بالعالم، سواء كنا نتحدث على مستوى الوعي الديني أو العلمي أو التاريخي أو الفني والجمالي! غير أن الوعي الديني الذي حسمت الأمم المتقدمة دوره ومكانته في الواقع الإنساني، ظل هو المهيمن على كل أشكال الوعي في واقعنا من خلال فهم سطحي ساذج يعمل على تغييب هذا الوعي ذاته. ولهذا كان موضوع “الخطاب الديني” هو أحد الموضوعات المهمة التي سبق أن كتبت عنها في أكثر من موضع، وسوف أُجمِل هنا خلاصة ما سبق أن فصلت القول فيه هناك.
لا فرق بين أن نتحدث عن “الوعي الديني” أو “الخطاب الديني”؛ لأن الخطاب الديني (باعتباره أسلوبًا في طرح الفكر والكلام عن الدين) هو الخطاب الذي يعبر عن الوعي الديني في مرحلة تاريخية ما من تطور الوعي أو نكوصه. ولا ريب في أن هناك شواهدَ كثيرة على هذا النكوص تتجلى في الخطاب الديني السائد في واقعنا، سوف نرصد أهمها وأعظمها تأثيرًا في تفاقم الداء الذي أصاب الوعي الديني في واقعنا العربي بدرجات متفاوتة؛ ففي اكتشاف وتشخيص علة الداء يكمن الدواء:
أول مظاهر الداء في وعينا الديني هو الاعتقاد في مقولات الإسلام السياسي التي روجت لها جماعة الإخوان المسلمين، وهي الجماعة التي قامت على استخدام الدين كوسيلة لاعتلاء السلطة: فالإسلام دين ودولة، ولا حاكمية إلا لله؛ ومن ثم فإن “الإسلام هو الحل”، وهو الشعار الذي رفعته تلك الجماعة في سائر معاركها مع الأنظمة الحاكمة، مخاطبةً بذلك عموم الفقراء والبُسطاء ممن يفتقرون إلى الوعي؛ فلا يجدون ملاذًا سوى في هذا الشعار، متوهمين أن الدين يمكن أن يحل لهم سائر مشكلاتهم في الحياة: في الاقتصاد والتعليم والسياسة وغير ذلك. ومن أسف أن هناك بعضًا من الكتاب والمفكرين في واقعنا الراهن يروجون لمقولة “الإسلام السياسي”، غافلين أو متغافلين عن أن الإسلام- مثل أي دين- هو في جوهره دعوة إلى الإيمان بأسس معينة من العقائد والمعاملات التي تتبدى في السلوك. لا يريد هؤلاء أن يعلموا الناس شيئًا عن حقيقة الدين، وهي أن الدين علاقة بين الفرد وربه، منه يستمد إيمانه بالمعتقدات الدينية وبما ينبغي أن يتعامل مع الناس ومع عالمه.
إضافةً إلى هذا الخلط بين الدين والسياسة، فإننا نجد خلطًا آخر بين الدين والعلم. إذ لا يقول لنا الدين الإسلامي- مثلما لا يقول لنا أي دين- كيف نتعامل مع العلوم أو الفنون في مجموعها: إنه يحثنا فحسب على طلب العلم والمعرفة وحب الجمال، وهو في النهاية خطاب يوجه الناس إلى مقاصد أخلاقية عامة، في سعيهم الدنيوي نحو الكمال والتمكين في الأرض بمقتضى الحرية التي منحها الله لهم. والواقع أن الخطاب الديني المتأسلم المشوَّه في واقعنا المعاصر، هو خطاب معاد للعلم على وجه الإجمال؛ لأنه يرى أن الدين قد حوى مجمل المعرفة، وأن أصول المكتشفات العلمية موجودة في القرآن، كما يروج إلى ذلك دعاة “الإعجاز العلمي في القرآن”.
كما أن الخطاب الديني الراهن في عالمنا الإسلامي لا يعادي العلم وحده، وإنما يعادي الفن أيضًا. لقد عانى العالم الغربي المسيحي في العصور الوسطى من هذه النزعة العدائية إزاء الفن، وهي النزعة التي تمثلت في تحطيم أيقونات الدين Iconoclasm. ولكن في حين أن الغرب المسيحي قد تحرر من هذا العداء، حينما بدأ نهضته الحديثة وتحرره من هيمنة الكنيسة على شؤون الدنيا؛ فإن هذا العداء قد عاد إلى الظهور في عالمنا الإسلامي الراهن من خلال روح اغترابية لا تعكس فقط حالة من “اغتراب الوعي الجمالي”، وإنما أيضًا حالة من “اغتراب الوعي الديني”. وقد تمثلت تلك الحالة في تحطيم حركة طالبان لتماثيل بوذا، وفي تحطيم الدواعش للتماثيل والآثار العراقية، وفي أشباه ذلك من الحركات التي خرج علينا أنصارها من كهوف الماضي البعيد ليقولوا لنا إن الفن لعب ولهو، ومن ثم فهو رجس من عمل الشيطان: فالنحت تشخيص ووثنية، والباليه مجرد عُري، أما الموسيقى فهي مزامير الشيطان! ولذلك فإننا لا نزال نسمع في حياتنا الراهنة صيحات عدوانية محمومة تصدر عن جماعات المتأسلمين الجدد المغتربين، لا فقط عن الفن ومعناه، وإنما أيضًا عن الدين وفحواه.
ولا شك في أن التطرف الديني موجود في كل الأديان، ولكنه يظل مرهونًا بنضج الوعي الديني في مسار تطور الحضارات. ذلك أن الوعي الديني هو الذي يحدد سائر مواقفنا الأخرى من العالم، وبوجه خاص موقفنا من العلم ومن الفن. ومن دون هذا الوعي، فإننا نبقى في حالة من الغفلة عن صلة الوعي بالعالم الإنساني.

