ألقى الانسحاب المفاجئ للقوات اليمنية المشتركة في الساحل الغربي (الموالية للحكومة الشرعية) من وسط مدينة الحديدة ومعظم ساحل المحافظة على البحر الأحمر، بظلاله على المشهدين العسكري والسياسي في اليمن، وأثار تساؤلات المراقبين لشأن البلد الذي يشهد صراعاً دامياً وحرباً منذ أواخر مارس عام 2015.
وتشير المعلومات الميدانية إلى أن 10 ألوية عسكرية كانت تتمركز في أطراف مدينة الحديدة (مركز المحافظة التي تحمل نفس الاسم والواقعة غرب اليمن) وفي مديريتي الدريهمي والتحيتا انسحبت من مواقعها خلال الأيام الماضية، إذ تتبع هذه القوات لـ”المقاومة الوطنية- حرّاس الجمهورية” التي يقودها نجل شقيق الرئيس اليمني الراحل العميد الركن طارق محمد عبد الله صالح، وألوية العمالقة (الجنوبية) وألوية المقاومة (التهامية).
وفور هذا التحرّك الغامض سيطرت قوات جماعة “أنصار الله” على جميع المناطق التي انسحبت منها القوات المشتركة وأبرزها مدينة الصالح و”كيلو16″ و”كيلو7″ ومديريتي الدريهمي والتحيتا ومنطقة الجاح في مديرية بيت الفقيه.
وتزامنت هذه الخطوة التي أربكت أطراف الصراع مع زيارة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن هانس جروندبرج للمرّة الأولى إلى محافظة تعز إذ عقد خلالها اجتماعات في مدينة تعز (مركز المحافظة الواقعة جنوب غرب اليمن) ومدينتي التربة والمخا، وبحث مع مجموعة واسعة من أصحاب الشأن “الضرورة الملحّة لإنهاء النزاع في اليمن”.
والتقى جروندبرغ في المخا حيث تتمركز قوات “المقاومة الوطنية- حرّاس الجمهورية” بالسلطة المحلية والمكتب السياسي للمقاومة الوطنية والحراك التهامي، إذ أكدوا جميعاً على ضرورة “خفض التصعيد واعتماد الشمولية وحسن عمل مؤسّسات الدولة”.
وشدّد جروندبرغ في اجتماعاته على الحاجة للتوصّل إلى حلول شاملة وإلى حوار سياسي شامل، ودعا جميع أصحاب الشأن إلى الانخراط في مناقشات بنّاءة حول القضايا السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تهمّ جميع اليمنيين.
كما تزامن الانسحاب مع إصدار رئيس المكتب السياسي للمقاومة الوطنية العميد طارق صالح عدداً من القرارات بالتعيين في رئاسة المكتب السياسي والأمانة العامة ودوائرها المتخصّصة.
ويقود طارق قوات “المقاومة الوطنية” في الساحل الغربي وبعض الجزر اليمنية منذ أبريل 2018.
وفي مارس الماضي أعلن طارق صالح “المكتب السياسي للمقاومة الوطنية” في مدينة المخا جنوب غرب محافظة تعز، “التزاماً بالعمل على إعادة الاحتكام لصناديق الاقتراع والتداول السلمي للسلطة، مع الاستمرار في مسيرة الكفاح والتضحيات والانتصارات الميدانية إلى جانب القوات المشتركة وجبهات الدفاع عن الجمهورية”، حسب قوله.
ويشدّد بيان الإشهار على أن المكتب السياسي “ضرورة وطنية فرضتها المرحلة لخدمة معركة شعبنا المصيرية، وتشكّل امتداداً أصيلاً لتضحيات الرئيس السابق علي عبد الله صالح ورفيق دربه الأمين العام للمؤتمر الشعبي العام عارف الزوكا (قتلا في 4 ديسمبر 2017)، وسيقوم بمسؤولياته الوطنية بما يحافظ على الثوابت الوطنية والقومية”.
القوات المشتركة التي أثارت الجدل بانسحابها أصدرت بياناً أكدت فيه تنفيذها قرار إخلاء المناطق المحكومة باتفاق ستوكهولم لكون تلك المناطق “محكومة باتفاق دولي يبقيها مناطق منزوعة السلاح وآمنة للمدنيين الذين وقّع الاتفاق بحجّة حمايتهم وتأمينهم”.
واعتبرت في البيان أن قرار إعادة الانتشار “جزء من المعركة الوطنية التي بدأناها وبذلنا فيها الغالي والنفيس لمواجهة المخاطر التي تهدّد أمن الوطن والمواطن اليمني خصوصاً، والأمن القومي العربي عموماً”.
وقالت إنها اتخذت هذا القرار في ضوء “خطّة إعادة الانتشار المحدّدة في اتفاق ستوكهولم (الموقّع في ديسمبر 2018)، الذي تتمسّك الحكومة الشرعية بتنفيذه، بالرغم من انتهاكات جماعة أنصار الله الاتفاق من اليوم التالي لتوقيعه، وما زالت مستمرة في نسف الاتفاق حتى اليوم”.
وكشفت القوات المشتركة أنه “لم يتم إعطاؤها الضوء الأخضر لاستعادة مدينة الحديدة، وحرمت من تحقيق هدف استراتيجي لليمن والأمن القومي العربي”. ورأت أن “واجبها يدفعها للدفاع عن جبهات ذات أهمية أخرى قد يستغلّها الطرف الآخر عند عدم وجود دفاعات كافية، وعدم وجود اتفاق دولي يردع تقدّمه، كما حصل معها في الحديدة”، في إشارة إلى جبهات محافظات البيضاء والجوف وشبوة ومأرب التي تشهد تقدّماً لافتاً لقوات “أنصار الله”.
وشدّدت القوات المشتركة في بيانها على أنها “بدأت تنفيذ خطّتها التي تحدّد خطوطاً دفاعية، تؤمّن معركة الساحل وتبقي تهامه على أهبة الاستعداد لأي تطورات قد تطرأ في جبهات القتال ضد أنصار الله”.
وفي تعليقها على انسحاب القوات المشتركة من مدينة الحديدة ومديريتي الدريهمي وبيت الفقيه وأجزاء من مديرية التحيتا وسيطرة “أنصار الله عليها”، وما ترتّب من تغيّرات كبيرة في خطوط التماس في المحافظة قالت بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) إن هذه الأحداث والمتغيّرات “تستدعي فتح نقاش بين الأطراف المعنية في اتفاقية الحديدة”، مؤكدة أنها “تقف على أهبة الاستعداد لتيسير النقاش وفقاً لإطار الاتفاقية. كما تشدّد على أن السلام المستدام لا يمكن تحقيقه إلا عبر تكاتف الجهود المشتركة”.
وطالبت البعثة الأممية في بيان أطراف النزاع بالوفاء بالتزاماتها نحو حماية المدنيين وبالأخص النازحين داخلياً في محافظة الحديدة وفي المديريات الجنوبية التي ما زالت تحدث فيها الاشتباكات.
أما الفريق الحكومي في لجنة تنسيق إعادة الانتشار بموجب اتفاق ستوكهولم فقد اعتبر أن ما يجري حالياً في الساحل الغربي من إعادة انتشار للقوات “يتم دون معرفة الفريق الحكومي وبدون أي تنسيق مسبق معه”.
وأوضح الفريق في بيان صحفي أن إجراءات إعادة الانتشار يفترض أن تتم كما هو المعتاد بالتنسيق والتفاهم مع بعثة الأمم المتحدة في الحديدة عبر الفريق الحكومي، والتي لم تكن في الصورة كما أشار نائب المتحدّث باسم الأمين العام للأمم المتحدة فرحان حق.
وقال البيان “من المهم التذكير بأن الفريق الحكومي قد علّق أعماله منذ عدّة أشهر مطالباً بالتحقيق في مقتل أحد ضباطه قنصاً من قبل أنصار الله في إحدى نقاط الرقابة المشتركة ومطالباً البعثة بنقل مقرّها لمواقع محايدة”.
وأكد البيان أن الفريق قد أشار بشكل مستمر “للانتهاكات المستمرة لاتفاق ستوكهولم والتعنّت الواضح في عرقلة تنفيذه عبر الهجوم المتكرّر بالصواريخ والمسيّرات والقذائف على المدنيين، بالإضافة إلى عرقلة وتقييد عمل بعثة أونمها وغير ذلك من الخروقات والانتهاكات التي نرفعها بشكل مستمر لبعثة الامم المتحدة”.
واعتبر الفريق أن أي تقدّم لـ “أنصار الله” في مناطق سيطرة الحكومة “الشرعية” في محافظة الحديدة تحت أي ظروف “مخالفة صريحة لروح ونصوص اتفاق ستوكهولم، وخرقاً فاضحاً للاتفاق يجب أن يكون للمجتمع الدولي موقف صريح وواضح تجاهه”.
بدوره صرّح المتحدّث الرسمي باسم قوات “تحالف دعم الشرعية في اليمن” العميد الركن تركي المالكي، بأن “إعادة انتشار تموضع القوات العسكرية للتحالف والقوات اليمنية التابعة للحكومة بمنطقة العمليات جاءت ضمن خطط عسكرية من قيادة القوات المشتركة للتحالف تتوائم مع الاستراتيجية العسكرية لدعم الحكومة اليمنية في معركتها الوطنية على الجبهات كافة”.
وقال العميد المالكي في بيان إن القوات المشتركة بالساحل الغربي نفّذت في 11 نوفمبر “إعادة انتشار وتموضع لقواتها العسكرية بتوجيهات من قيادة القوات المشتركة للتحالف، وقد اتّسمت عملية إعادة التموضع بالانضباطية والمرونة بحسب ما هو مخطّط له وبما يتماشى مع الخطط المستقبلية لقوات التحالف”.
ودافع بأن قيادة القوات المشتركة للتحالف “ارتأت أهمية إعادة الانتشار والتموضع لهذه القوات لتصبح أكثر فاعلية ومرونة عملياتية للمشاركة بالمعركة الوطنية للجيش اليمني وبما يضمن سلامتها وتحرّكها بمنطقة العمليات، في الوقت الذي لا تزال سيطرة أنصارالله مستمرة على الموانىء الرئيسية الثلاثة على البحر الأحمر (الحديدة والصليف ورأس عيسى) وعدم تمكين الأمم المتحدة من الإشراف على تنفيذ اتفاق ستوكهولم”.
ودعا المالكي الأمم المتحدة وبعثتها بالحديدة إلى القيام بدورها لتنفيذ اتفاق ستوكهولم، وكذلك دعوة المجتمع الدولي للضغط على “أنصار الله” للالتزام الكامل وتنفيذ نصوص الاتفاق.
وكان أعضاء مجلس الأمن الدولي دعوا في بيان إلى وقف فوري لإطلاق النار في اليمن، وإلى حل الخلافات عبر الحوار الشامل ورفض العنف لتحقيق أهداف سياسية.
وأعربوا عن دعمهم الثابت للمبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس جروندبرغ، وجدّدوا توقّعاتهم بأن يلتقي طرفا الصراع بالمبعوث ومع بعضهما البعض، تحت رعاية الأمم المتحدة، بحسن نيّة، ودون شروط مسبقة.
وأكد أعضاء مجلس الأمن التزامهم بإيجاد حل سياسي، بقيادة يمنية، قائم على التوافق والمشاركة الكاملة والمتساوية والهادفة للمرأة، وكذلك مشاركة الشباب، وفقاً للأحكام ذات الصلة لمجلس الأمن الدولي. وأعربوا عن دعمهم الواضح لمبادئ الشمول والمشاركة، بما في ذلك مشاركة المرأة.

