
الجزائر، في 14 سبتمبر/ العمانية /يتناول كتاب “الأمير عبد القادر في الأسر”، محطات
وأحداثاً مهمة في تاريخ الجزائر الحديث، وبخاصة تلك التي تجسّد التطور التاريخي الذي
شهده المجتمع الجزائري مع عملية الاحتلال الفرنسي الذي نتج عن المذكرة التي قُدمت
إلى نابليون في 7 سبتمبر 1802م وتضمنت بأن شمال إفريقيا محكوم بأناس غير عالِمين
بالقانون العام الأوروبي.
وتؤكد الباحثة الزهرة بقبق، مؤلفة الكتاب، أن مثل هذه المعلومات لا يمكنها أن تفاجئ أي
إنسان أوروبي كان على صلة بالدول الأوربية في القرون السابقة، فحكام شمال إفريقيا،
ولا سيما الذين كانوا على رأس الإيالة الجزائرية، كانوا يوصفون من القناصل
الأوروبيين بعبارة “هؤلاء الوحوش” و”هؤلاء الأوباش” و”هؤلاء البرابرة” و”هؤلاء
الطغاة”.
ومن هذا المنطلق، سعت الإدارة الفرنسية، لاسيما بعدما تعاظمت القرصنة، إلى التخطيط
من أجل احتلال الجزائر تحت شعار “نشر الحضارة “و”تأديب الداي” والعودة من حيث
أتت، ولكن في حقيقة الأمر فإن احتلال فرنسا للجزائر، لم يكن بمحض الصدفة، بل إنها
فكرة قديمة ترسبت واختمرت في أذهان قادة أوروبا منذ حملة شارل الخامس الإسباني
سنة 1541م، ثم التهديد والوعيد بالعواقب الوخيمة للويس الرابع عشر ملك فرنسا. كما
أن نابليون كانت لديه رغبة ملحة في احتلال الجزائر، وكان بذلك يحاول إنشاء قواعد
لإيقاف هيمنة الإنجليز في البحر الأبيض المتوسط .
ووجهت فرنسا أنظارها نحو الجزائر، في محاولة منها لتغطية خيبتها في أمريكا بعد أن
طُردت من كندا من طرف البريطانيين، وسعيا منها لإيجاد مستعمرة لتصريف موادها
الأولية، وقاعدة لصناعتها الناشئة، ومن ثم استغلال اليد العاملة الرخيصة.
ولهذا، منذ أعلنت فرنسا الاحتلال، عجلت بعملية استيطانية على حساب الأهالي الذين
جردت معظمهم من الأراضي، وأحلّت محلهم جالية فرنسية ما فتئ عددها يتزايد
باستمرار، وشجعت قدومهم بسلسلة من التسهيلات والإغراءات دعمت بها غرس
المستعمرات في الأراضي الجزائرية، بغرض نشر قواتها وقانونها وسيادتها، والأهم هو
الحصول على القاعدة المادية لها، وبالتالي تفتيت القبائل عن طريق مصادرة أراضيهم،
للقضاء على الثقل الاجتماعي والثقافي والسياسي للزاوية في الريف الجزائري، لغرض
تطويق المقاومة، ومنها الانطلاق نحو بقية دول المغرب العربي.
وبالمقابل، لا يتسنى للمقاومة أن تبرز للميدان إذا لم تكن هناك قاعدة صلبة تعي موقعها
في الساحة وتفهم حقيقة وجودها، وقد كانت هذه المقاومة رهينة الإحساس بالظلم والشعور
بفقدان مكتسبات قد آلت للآخرين، ولهذا كان احتلال مدينة الجزائر سنة 1830 مؤشرا
لبداية التحدي الذي هز الجزائريين في المقاومة الشعبية بقيادة الأمير عبد القادر.
وعلى هذا الأساس، حصل الأمير عبد القادر على بيعة شعبية وشرعية مكنته من
الحصول على الحق الشرعي في الدفاع عن بلاده، وكان على فرنسا أن تتعامل مع هوية
سياسية وسيادية وشرعية جديدة، بعد أن تخلى الداي حسين عن الجهاد واستعاد
الجزائريون حق المقاومة، كما منحته هذه البيعة الحق في تثبيت التمثيل السياسي، أي
إيجاد منهج سياسي محدد وموحد لإحداث التناغم بين الحياة الاجتماعية والخطاب
السياسي.
وبعد مقاومة دامية دامت خمس عشرة سنة، وفي فترة اختلّت فيها موازين القوى، بعدما
تنامت قوة الفرنسيين وترسخت كقاعدة مادية في الاقتصاد بعد إنهاك المجتمع واختراقه
بالحروب والمعارك، أوقف الأمير عبد القادر القتال بشروط مشرفة، لكن فرنسا لم تلتزم
بتعهداتها والتزاماتها القانونية تجاهه، وخدعته بذلك قانونيا وأخلاقيا فحولت الباخرة من
وجهتها نحو الإسكندرية أو عكا إلى المعتقلات الفرنسية، واعتبرت الأمير مجرمَ حرب.
وتؤكد الباحثة أن الدولة الفرنسية انتهكت أكثر الحقوق قداسة، عندما اعتقلت الأمير عبد
القادر من دون أي جرم، وبأبشع الطرق، حتى إنها حولت القصور الحضارية إلى
معتقلات، ضاربةً بذلك بنود الثورة الفرنسية عرض الحائط لمصالح سياسية وشخصية.
/العمانية /178

